رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
المصور العراقي قديماً


المشاهدات 1297
تاريخ الإضافة 2026/06/10 - 9:52 PM
آخر تحديث 2026/06/12 - 8:53 PM

قبل أن تتحول الكاميرا إلى هاتف في الجيب، كان التصوير في العراق طقساً خاصاً، أقرب إلى الاحتفال منه إلى مجرد التقاط صورة. كان المصوّر شخصية معروفة في الحي، يحمل عدسته كأنها ذاكرة تمشي على قدمين، يوثّق بها الوجوه والأيام والمناسبات، ويصنع من لحظة عابرة تاريخاً يُحتفظ به في ألبوم العائلة. تلك الذاكرة لم تكن مجرد صور، بل حكايات تختزن ملامح المجتمع العراقي وتحولاته.
المصوّر… شاهد الزمن
في العقود الأولى من القرن العشرين، كان المصوّر في العراق واحداً من أهم شهود الحياة اليومية. لم تكن الصور كثيرة، لذلك كانت كل صورة تحمل قيمة معنوية عالية. صورة واحدة قد تُعلّق على جدار البيت لسنوات، وتُورث من جيل إلى جيل.
كان المصوّر يجلس خلف كاميرته الخشبية الكبيرة، يختبئ تحت قطعة قماش سوداء، يطلب من الناس الثبات لدقائق، لأن اللقطة تحتاج إلى وقت طويل. تلك اللحظة المليئة بالصمت والترقب كانت تسبق ولادة صورة تُحفظ بعناية وكأنها وثيقة رسمية.
الاستوديو… مسرح الذاكرة
لم يكن الاستوديو مجرد مكان للتصوير، بل كان مسرحاً مصغّراً. خلفيات مرسومة لقصور أو حدائق أو أعمدة رومانية، وكراسٍ فخمة تُضفي هيبة على الصورة. يدخل الزبون ليلتقط صورة، فيخرج وكأنه جزء من لوحة.
كانت الصور تُلتقط في مناسبات محددة: الزواج، التخرج، الخدمة العسكرية، أو حتى صورة عائلية نادرة. وكان المصوّر يوجّه الجالسين:
ارفع راسك… لا تتحرك… ابتسم بخفة
ثم يضغط زر الكاميرا ليجمّد لحظة ربما لا تتكرر.
الكاميرا… آلة الصبر
الكاميرات القديمة لم تكن سهلة الاستخدام. كانت تعتمد على أفلام حساسة للضوء، والتحميض يتم في غرف مظلمة، باستخدام مواد كيميائية وروائح نفاذة. المصوّر لم يكن مجرد شخص يلتقط الصور، بل كان فنياً وكيميائياً وفناناً في آنٍ واحد.
عملية التحميض كانت أشبه بالسحر: ورقة بيضاء تدخل في محلول، فتبدأ الصورة بالظهور تدريجياً. تلك اللحظة كانت من أجمل لحظات المصوّر، لأنها تعني أن الذاكرة قد وُلدت فعلاً.
الشارع… أرشيف حي
إلى جانب الاستوديو، كان هناك مصوّر الشارع. يتجول في الأسواق والساحات، يحمل كاميرا فورية أو صندوقية، يلتقط صور الناس مقابل مبلغ بسيط. كان حاضراً في الأعياد، المتنزهات، وحتى أمام المدارس.
هذا المصوّر لعب دوراً مهماً في توثيق الحياة اليومية:
الصور القديمة في العراق ليست مجرد لقطات، بل وثائق اجتماعية. من خلالها يمكن قراءة تغير الأزياء، ملامح المدن، طبيعة العلاقات، وحتى التحولات السياسية.
صورة رجل ببدلة رسمية في الأربعينيات تعكس بداية الحداثة، وصورة عائلة في السبعينيات تكشف عن استقرار اجتماعي نسبي، بينما صور الحروب تحمل وجهاً آخر للذاكرة، أكثر ألماً وإنسانية.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير