رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
سماءٌ لا تغيب سيرةٌ من حبر ودمع


المشاهدات 1206
تاريخ الإضافة 2026/06/14 - 11:18 PM
آخر تحديث 2026/06/15 - 8:53 PM

ليست كل الكتب تُقرأ بالطريقة نفسها، فثمة كتب نطالع صفحاتها بأعيننا، وثمة كتب أخرى نقرؤها بقلوبنا قبل أعيننا، ومن هذا النوع الأخير جاءت المجموعة القصصية الجديدة « وردُ السماء» للزميلة أسماء محمد مصطفى. وهي نصوص لا يمكن النظر إليها بوصفها مجموعة قصصية فحسب، بل بوصفها وثائق وفاء نادرة، وسيرة حب طويلة بين أم وابنتها، وبين الكلمة والذاكرة، والألم والأمل.
عرفتُ أسماء منذ سنوات طويلة، صاحبة قلم رومانسي وإنساني يكتب بحساسية عالية تجاه الإنسان والحب والحياة، لكنني وجدت في هذا الكتاب شيئاً يتجاوز الأدب إلى ما هو أعمق من الأدب نفسه، وجدت امرأة خاضت معارك متلاحقة مع الفقد والمرض والوحدة، ثم خرجت منها وهي تحمل باقة ورد بدلاً من راية الاستسلام. ومع أن المجموعة تضم 28 قصة قصيرة، غير أن القصة الكبرى التي تتوارى خلف جميع القصص هي حكاية سماء، تلك الابنة التي كانت مشروع حياة، ورفيقة رحلة، وشريكة حلم، ونافذة مفتوحة على الضوء، وحين تقرأ الإهداءات والكلمات المحيطة بالكتاب، تدرك أن سماء لم تغادر صفحاته قط، بل بقيت حاضرة فيه حضور الروح في الجسد.
تستوقفني تلك الحكاية البسيطة والعميقة في آن واحد، عندما سألت سماء أمها عن زهرة الشمس التي تدور مع الشمس أينما اتجهت، فأجابتها أمها بأنها تتبع الشمس دائماً، لترد الطفلة بسرعة وعفوية: مثلي ومثلك يا ماما، أينما تذهبي أذهب وراءك. وبعد سنوات، انقلب المشهد الجميل إلى معنى أكثر عمقاً، فالأم نفسها باتت زهرة تتجه نحو شمسها الغائبة الحاضرة، نحو ابنتها التي رحلت جسداً وبقيت أثراً وإلهاماً وضياءً. ولعل أجمل ما في هذا الكتاب أن سماء لم تحضر فيه موضوعاً للرثاء، بل حضرت بوصفها طاقة حياة، فلوحة الغلاف من إنجازها، وروحها تسكن بين السطور، وذكراها تتحول في كل صفحة إلى دعوة لمقاومة اليأس، لذلك يبدو عنوانه وردُ السماء عنواناً بالغ الدقة، فهذه الورود ليست أزهاراً ورقية، بل هي قصص نبتت من أرض التجربة الإنسانية وسُقيت بماء المحبة والصبر. وقد قدمت الراحلة سماء الأمير نموذجاً استثنائياً للإرادة والإبداع، واستطاعت خلال عمر قصير أن تحصد جوائز وتكريمات دولية عديدة، وأن تترك أثراً يتجاوز حدود العمر والزمن. وما تفعله والدتها اليوم من استمرار في التعريف بمنجزها والمشاركة بأعمالها في المحافل الدولية ليس مجرد وفاء عائلي، بل رسالة ثقافية وإنسانية تؤكد أن المبدعين لا يرحلون حقاً ما دام هناك من يحفظ نورهم من الإنطفاء.
وأنا أطالع هذا الكتاب، تذكرت أن الأدب الحقيقي ليس ذلك الذي يستعرض مهاراته اللغوية فقط، بل ذلك الذي يمنح القارئ شعوراً بأنه صار أكثر إنسانية بعد القراءة، وهذا ما فعلته أسماء محمد مصطفى في مجموعتها الجديدة، فقد كتبت قصصها بمداد التجربة، وبصدق العاطفة، وبإيمان عميق بأن الجمال قادر على أن ينبت حتى في أكثر الأراضي قسوة، لذلك لم تكن وردُ السماء مجرد إصدار جديد يضاف إلى المكتبة العراقية، بل هو انتصار هادئ للإنسان على جراحه، وللأم على أحزانها، وللكلمة على الصمت، وهو أيضاً رسالة تقول لنا إن الذين نحبهم قد يغيبون عن أعيننا، لكنهم يظلون يقيمون في أعماقنا مثل شمس لا تغرب، ووردة لا تذبل، وسماء لا تغادر قلب امها أبداً .


تابعنا على
تصميم وتطوير