رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
تلقيح النخيل .. حكاية موروث حي بين الخبرة والفطرة


المشاهدات 1181
تاريخ الإضافة 2026/06/14 - 11:20 PM
آخر تحديث 2026/06/15 - 8:39 PM

تمثّل النخلة في العراق أكثر من مجرد شجرة؛ إنها ذاكرة وطن وعمود حياة راسخ في وجدان الريف. ومن بين الطقوس الزراعية التي توارثها الفلاحون جيلاً بعد جيل، يبرز تلقيح النخيل بوصفه فناً تقليدياً دقيقاً، لا يقوم فقط على المعرفة العلمية البسيطة، بل على خبرة متراكمة وذاكرة حسّية تختزن تفاصيل الزمن والمناخ والإشارة الأولى لبدء الموسم.
التلقيح… طقس موسمي له ملامحه
يبدأ موسم التلقيح مع بواكير الربيع، حين تتفتح الطّلعات الأنثوية في النخلة، فيدرك الفلاح بحسّه المتوارث أن ساعة العمل قد حانت. لا يعتمد المزارع العراقي على التقويم وحده، بل على مراقبة دقيقة لتغيرات الطقس، ونضوج الطلع الذكري، وملمس الزهرة ورائحتها، وهي إشارات لا تُدرّس بقدر ما تُكتسب بالممارسة.
الذاكرة الزراعية… علم بلا كتب
يحفظ الفلاح العراقي أسماء أنواع النخيل، وخصائص كل صنف، وموعد تلقيحه الأمثل، وحتى كمية اللقاح المناسبة لكل نخلة. هذه الذاكرة ليست مجرد معلومات، بل نظام معرفي متكامل تناقلته العوائل الزراعية عبر السنين. فكثيراً ما ترى الأب يصعد النخلة ومعه ابنه، يشرح له كيف يختار الفحل المناسب، وكيف يربط اللقاح داخل الطلعة بحذر.
تعتمد عملية التلقيح على أدوات تقليدية: سكين صغير لفتح الطلعة، وحبال لتثبيت اللقاح، وسعف نخيل لربطه. لكن الأداة الأهم تبقى يد الفلاح وخبرته. فهو يتسلق النخلة بخفة، ويؤدي عمله بدقة متناهية، لأن أي خطأ في التوقيت أو الكمية قد يؤثر على الإنتاج.
بين الأمس واليوم
رغم دخول بعض التقنيات الحديثة في الزراعة، ما زال كثير من المزارعين في العراق متمسكين بالتلقيح اليدوي، لثقتهم بنتائجه وجودته. ومع ذلك، تواجه هذه الممارسة تحديات، منها قلة الأيدي العاملة، وتراجع أعداد النخيل، وتأثيرات التغير المناخي.
تبقى ذاكرة تلقيح النخيل لدى المزارع العراقي شاهداً حياً على عمق العلاقة بين الإنسان وأرضه. إنها ذاكرة لا تُكتب في الكتب، بل تُحفظ في اليد التي تتسلق، والعين التي تراقب، والقلب الذي يعرف أن النخلة ليست مجرد شجرة، بل حياة كاملة تمتد جذورها في التاريخ.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير