
في مساء ثقافي اتسم بالحميمية والعمق، تابعت (الزوراء) الجلسة التي أقامها اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، مستضيفاً الشاعر والناقد العراقي المغترب الدكتور علي جعفر العلاق، في أمسية يمكن وصفها بأنها استعادة مفتوحة لسيرة القصيدة العراقية، واستذكار حيّ لتحولات جيل كامل من الشعراء الذين عبروا زمن القلق والتحولات.
الجلسة لم تكن احتفاءً عادياً، بل بدت كأنها لحظة مراجعة عميقة لتجربة شعرية ونقدية امتدت لأكثر من نصف قرن، ظلّ فيها العلاق حارساً للغنائية، ومغامراً في الآن نفسه داخل فضاءات القصيدة.
شاعر أمسك بالجمر بين مرحلتين
استهل الشاعر والناقد علي الفواز الجلسة بكلمة تقديمية اتسمت بالكثافة والبعد التأملي، حيث وضع تجربة العلاق في سياقها التاريخي والثقافي، مشيراً إلى صعوبة تصنيفه ضمن جيل محدد، لكونه جاء في منطقة انتقالية حساسة بين تأثيرات جيل الرواد، وعلى رأسهم بدر شاكر السياب، وبين اندفاعات التجريب التي قادها شعراء الستينيات.
وأوضح الفواز أن العلاق تعامل مع الجمر ، في إشارة إلى قدرته على التوازن بين إرث ثقيل ومغامرة مفتوحة، مضيفاً أن قصيدته حافظت على روحها الغنائية، رغم انفتاحها على أفق تجريبي واسع، وهو ما يجعل تجربته واحدة من التجارب التي أسهمت في تأطير التحولات الشعرية العراقية.
وفي سياق حديثه، أشار إلى أن العلاق لم ينخرط بالكامل في تيار، ولم ينفصل عنه أيضاً، بل ظلّ في منطقة المنتصف الحاسم، وهي المنطقة التي تتطلب وعياً عالياً وقدرة على الإمساك بالتناقضات دون الوقوع فيها.
منطقة العلاق الخاصة
يبدو العلاق، كما قدمه الفواز، شاعراً لا ينتمي إلى قطيعة كاملة مع الماضي، ولا إلى اندفاع أعمى نحو الحداثة، بل إلى منطقة تركيبية، تمزج بين الحس الغنائي القديم وروح المغامرة الحديثة.
جمع بين لذائذ الشعر وصرامة النقد
ضمن سياق التقديم، جرى استعراض أبرز محطات سيرة العلاق، إذ ولد عام 1945 في محافظة واسط، وواصل دراسته حتى نال الدكتوراه من جامعة إكستر في بريطانيا عام 1983، ليبدأ بعدها مسيرته الأكاديمية أستاذاً للأدب العربي والنقد في عدد من الجامعات العربية.
ولم تقتصر تجربته على الشعر، بل امتدت إلى النقد، حيث كتب عن الشعر بوعي عميق، جامعاً بين لذائذ اللغة و صرامة التحليل ، وهو ما أشار إليه الفواز بوصفه جمعاً نادراً بين ملكتين يصعب التوفيق بينهما.
كما حاز العلاق على جوائز عربية مهمة، من بينها جائزة العويس وجائزة الشيخ زايد، في دلالة على حضوره الواسع في المشهد الثقافي العربي.
عودة محمّلة بالحنين والغياب
عند صعوده إلى المنصة، بدا علي جعفر العلاق مشحوناً بمزيج من الفرح والأسى، وهو يستعيد المكان بعد أكثر من خمسة وثلاثين عاماً من الغياب.
تحدث بصوت يلامس الحنين، مستحضراً وجوهاً غابت، وأسماءً شكلت ذاكرة الشعر العراقي، مثل فوزي كريم، وحسب الشيخ جعفر، وفاضل العزاوي، وخالد علي مصطفى، وسامي مهدي، وغيرهم من شعراء جيله.
وقال إن عودته إلى هذا المكان تشبه المشي على أطراف الأصابع، خشية إيقاظ رماد الراحلين، في صورة شعرية مكثفة تختزل العلاقة المعقدة بين الذاكرة والمكان.
الذاكرة بوصفها وطناً موازياً
لم تكن استعادة الأسماء مجرد حنين شخصي، بل كانت إعلاناً ضمنياً عن أن الشعر العراقي هو ذاكرة جماعية، وأن الشاعر يحمل معه غيابات جيله أينما ذهب.
القصيدة بوصفها حياة موازية
قدم العلاق خلال الجلسة مجموعة من نصوصه الشعرية، التي تنوعت بين الحنين والأسئلة الوجودية والتأملات العميقة.
بدت القصائد وكأنها امتداد لسيرته الذاتية، حيث تداخل الشخصي بالعام، والذاتي بالتاريخي، في لغة شفافة تنبض بالحس الإنساني، وتستعيد ثيمات الوطن والحلم والاغتراب.
في قصائده، يحضر الماء والغيم والحلم بوصفها رموزاً دائمة، فيما تتشكل الصور الشعرية عبر انزياحات دقيقة تمنح النص عمقاً وتأثيراً.
العلاق يتحدث: القصيدة لحظة حلمية على حافة الوعي
في محور الحوار، قدم العلاق واحدة من أهم مفاتيح تجربته، حين أكد أن كتابة القصيدة تبدأ من لحظة حلمية ، يكون فيها الشاعر معلقاً بين النوم واليقظة، قبل أن يستعيد وعيه لاحقاً ليفحص النص ويعيد صياغته.
وأشار إلى أن هذه الثنائية بين الحلم والوعي تمثل جوهر العملية الشعرية، حيث لا يمكن للقصيدة أن تتشكل من الوعي وحده، ولا من الحلم وحده، بل من تفاعل معقد بين الاثنين.
العلاق: كيف أحمي قصيدتي من العمالقة؟
تحدث العلاق بصراحة عن هاجسه المبكر في الحفاظ على صوته الخاص، مؤكداً أنه كان يطرح على نفسه سؤالاً دائماً: كيف يمكن أن يكتب دون أن يقع تحت تأثير كبار الشعراء مثل السياب والبياتي ونزار قباني وسعدي يوسف؟
وقال إنه مارس رقابة صارمة على لغته، وكان شديد القسوة على نصه، حتى لا يتسرب إليه صوت غيره، وهو ما جعله أحياناً يقلّ في الكتابة، لكنه في المقابل حافظ على نقاء تجربته.
ثنائية الشاعر والناقد: الخوف من جفاف القصيدة
في واحدة من أكثر لحظات الجلسة عمقاً، توقف العلاق عند تجربته كشاعر وناقد، محذراً من أن طغيان الناقد قد يؤدي إلى جفاف القصيدة.
وأشار إلى أن كثيراً من الشعراء الذين تحولوا إلى نقاد فقدوا حرارة الشعر، وأصبحت نصوصهم بلا ماء، وهو التعبير الذي استخدمه القدماء للدلالة على فقدان الحيوية.
وأكد أنه يسعى إلى كتابة قصيدة قلبية، تنبض بالحلم والجنون والمغامرة، مع الحفاظ على وعي نقدي لا يقتل هذه الروح.
ماء الشعر ... مفهوم قديم بروح معاصرة
استعادة العلاق لمفهوم ماء الشعر تكشف عن وعي عميق بتراث النقد العربي، وإعادة توظيفه في قراءة أزمة الشعر المعاصر---
القصيدة: جهد خفي وبساطة مضللة
أوضح العلاق أن القصيدة الحقيقية تقوم على جهد كبير، لكنه جهد يجب أن يظل مخفياً، بحيث تبدو القصيدة وكأنها كتبت بعفوية.
وقال إن الشاعر الحقيقي هو من يخفي فنه، في إشارة إلى أن البساطة الظاهرة في النص ليست سوى نتيجة عمل عميق ومعقد.
مداخلات الحضور: إشادة بتجربة تمزج العمق بالشاعرية
شهدت الجلسة حضوراً نقدياً لافتاً، من بينهم الناقد الدكتور ضياء خضير، حيث تركزت المداخلات على خصوصية تجربة العلاق، وقدرته على الجمع بين دقة الوصف وعمقه، وبين شاعرية عالية.وأشار الحضور إلى أن العلاق حافظ على الإيقاع التفعيلي، لكنه لم يتقيد به، بل جعله أداة مرنة داخل نص مفتوح على احتمالات متعددة.
استذكار المكان: اتحاد الأدباء بوصفه ذاكرة حيّة
تحولت الجلسة، في لحظات كثيرة، إلى استعادة للمكان ذاته، حيث بدا اتحاد الأدباء ليس مجرد قاعة، بل ذاكرة حيّة تختزن تجارب وأصواتاً وغيابات.
وقد أعاد حضور العلاق إحياء هذه الذاكرة، مؤكداً أن المكان الثقافي لا يعيش إلا بأصوات مبدعيه.
الاستخلاص:
العلاق... شاعر التوازن الصعب
يمكن استخلاص أن تجربة علي جعفر العلاق تمثل نموذجاً نادراً في الشعر العراقي والعربي، إذ استطاع أن يحقق توازناً دقيقاً بين الغنائية والوعي، وبين الحلم والعقل، وبين الشعر والنقد.
لقد أكدت هذه الجلسة أن القصيدة ما زالت قادرة على أن تكون فضاءً للحياة، وأن الشعر الحقيقي لا يموت، بل يعيد إنتاج نفسه عبر تجارب صادقة وعميقة. كما كشفت الأمسية أن العلاق لم يكن مجرد شاعر، بل كان شاهداً على تحولات جيل كامل، وحارساً لذاكرة شعرية ما زالت تنبض بالحياة.
ختام وتحية
في ختام الجلسة، بدت الأمسية وكأنها رسالة ثقافية تؤكد أن العراق، رغم كل ما مرّ به، ما زال قادراً على إنتاج الجمال، وعلى الاحتفاء بشعرائه الكبار.