رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
من الزوراءخرج الخبر الأول


المشاهدات 1131
تاريخ الإضافة 2026/06/16 - 9:56 PM
آخر تحديث 2026/06/17 - 12:39 PM

منذ أن خطت الزوراء حروفها الاولى على بياض الورق في الخامس عشر من حزيران عام 1869 لم تكن الصحافة العراقية مجرد ولادة مطبوعة جديدة في سجل الايام بقدر ما كانت لحظة انبثاق وعي اراد ان يواجه النسيان، وان ينتزع للمعرفة مكانا في قلب الزمن .. ومنذ ذلك التاريخ لم تعد الكلمة حبرا يجف فوق الصفحات انما تحولت الى ذاكرة تمشي على قدمين والى ضمير يقظ يراقب حركة المجتمع وهو يعبر منعطفاته الكبرى بين الرجاء والعاصفة.. وفي الخامس عشر من حزيران من كل عام لا يحتفي العراق بتاريخ مهنة بقدر ما يحتفي بتاريخ صوت ظل عصيا على الغياب كلما حاولت العتمة ان تمد سلطانها على المشهد، وكلما ظن البعض ان الحقيقة يمكن ان تحبس خلف الجدران او تدفن تحت ركام المصالح والضجيج، فالصحافة ليست مهنة لمن يبحث عن الخبر بقدر ما هي رسالة لمن يبحث عن المعنى الكامن خلف الخبر وليست مطاردة يومية للعناوين بقدر ما هي رحلة شاقة نحو جوهر الحقيقة، حيث تتقاطع الشجاعة مع المسؤولية ويصبح القلم امتحانا للضمير قبل ان يكون اداة للكتابة.. 
فحين تكون الصحافة حرة فإنها لا تكتفي بقراءة الواقع إنما تعيد مساءلته ولا تكتفي بوصف المشهد انما تكشف ما وراء ستائره، ولا تكتفي بنقل اصوات الناس انما تمنحها قوة الحضور والتأثير.. إنها العين التي ترى ما لا يراد له ان يرى والصوت الذي يخرج من بين صمت الجموع حاملا اسئلتهم وقلقهم واحلامهم الى فضاء لا يمكن تجاهله، في تاريخ الامم لا تقاس قوة الصحافة بعدد مطابعها ولا بحجم مؤسساتها لكنما بمقدار المسافة التي تستطيع ان تقفها بين الحقيقة والخوف، فهناك حيث تتراجع المصالح الضيقة وتنهض الكلمة لتؤدي دورها النبيل في حماية الوعي العام من التزييف وحماية الذاكرة من العبث، وحماية المواطن من ان يتحول الى متفرج على قضاياه، ومن هنا اكتسبت الصحافة مكانتها بوصفها واحدة من اعظم منجزات العقل البشري لأنها لم تمنح الناس الاخبار فحسب انما منحتهم القدرة على الفهم والمساءلة والمشاركة وصناعة الموقف.. وفي العراق تحديدا لم تكن الصحافة ابنة الطرق المعبدة ولا رفيقة الايام السهلة انما ولدت ونمت وسط تحولات عاصفة واختبارات قاسية، وظلت رغم كل شيء تحمل شعلة الكلمة في وجه الرياح، إذ سقطت وجوه كثيرة من ذاكرة الزمن وبقيت المقالات شاهدة وتبدلت سلطات وتعاقبت مراحل وبقي الحرف الصادق قادرا على النجاة لأنه يستمد قوته من الناس لا من الامتيازات، ومن الحقيقة لا من النفوذ، ولهذا فإن يوم الصحافة العراقية ليس مناسبة لاستذكار الماضي فقط بقدر ما هو تذكير دائم بأن الاوطان التي تفقد اصواتها الحرة تفقد شيئا من روحها، وان المجتمعات التي تخشى النقد تفتح ابوابها للتكلس والانغلاق، وان الكلمة حين تتحرر من القيود تصبح قوة اخلاقية قادرة على تغيير مسار الاحداث وصناعة مستقبل اكثر وضوحا وعدالة..لهذا يبقى الخامس عشر من حزيران موعدا يتجدد فيه العهد بين الصحافة ووطنها وبين القلم وضميره، وبين الحقيقة وحقها المشروع في الظهور، ففي زمن تتكاثر فيه الاصوات وتتنازع فيه الروايات تبقى الصحافة الحقيقية ذلك الضوء الذي لا يرفع صوته لكنه يهزم الظلام، وذلك النبض الذي لا يراه احد لكنه يمنح الحياة معناها، وذلك الحرف الذي يرفض ان يكون شاهدا صامتا على ما يجري لانه ولد منذ البداية ليكون صوتا للحقيقة حين يصمت الجميع.. فالصحافة في جوهرها ليست سردا للوقائع بقدر ما هي اكتشاف لما تخفيه الوقائع، فإنها ظلت عبر تاريخها الطويل تقف عند الحد الفاصل بين ما يقال وما ينبغي ان يقال وبين ما يراد للناس ان يعرفوه وما يحق لهم ان يعرفوه، فهي ليست نافذة يطل منها المجتمع على العالم فحسب، انما نافذة يطل منها على نفسه ايضا ليرى ملامحه كما هي لا كما يريد لها الاخرون ان تكون.. فمن هنا جاءت عظمتها ومن هنا ايضا جاءت مشقتها لانها اختارت منذ ولادتها ان تسكن المناطق الاكثر حساسية في حياة الامم حيث تتصارع المصالح وتتزاحم الروايات وتتقاطع الحقائق مع الاوهام. 
ولعل اجمل ما في الصحافة انها لا تكتفي بحفظ ذاكرة الايام انما تمنح الزمن نفسه فرصة ليعيد قراءة ذاته فما من حدث كبير مر على الشعوب إلا وتركت الصحافة على هامشه شهادة وما من قضية هزت ضمير المجتمع إلا وكان للحبر فيها اثر يشبه اثر المطر في ارض عطشى، لذلك لم تكن المقالة يوما مجرد كلمات متجاورة ولا كان الخبر سطورا عابرة تنتهي بانتهاء قراءته، لكنها كانت الكلمة الصادقة دائما قادرة على ان تعيش عمرا اطول من اصحابها، وان تبقى حاضرة في ذاكرة الناس بعدما تتوارى الاسماء والوجوه.
وحين نتأمل مسيرة الصحافة العراقية ندرك اننا امام تاريخ لم يكتب بالحبر وحده انما كتب بالصبر والمواقف والتضحيات.. تاريخ تشكل من اقلام آمنت بأن الحقيقة تستحق ان تدافع عنها مهما كانت الكلفة، وبأن الوطن لا يحتاج الى من يصفق له بقدر حاجته الى من يضيء زواياه المعتمة ويكشف مواضع الخلل فيه، فالنقد المسؤول ليس خصومة مع الوطن انما هو احدى صور الوفاء له، والاشارة الى الجرح ليست اساءة للجسد انما بداية البحث عن العلاج، ولهذا كانت الصحافة الحرة دائما مرآة صادقة لا تخشى ان تعكس الواقع كما هو مهما كانت ملامحه قاسية لان دورها لا يقوم على صناعة الاوهام لكن على حماية الوعي من الوقوع فيها. 
وفي زمن تتسارع فيه الاحداث وتتدفق المعلومات بلا حدود تبدو الحاجة الى الصحافة المهنية اكثر إلحاحا من اي وقت مضى، إذ ليست المشكلة اليوم في ندرة الاخبار لكن في كثرتها وليست المعضلة في غياب الاصوات اننا في ضجيجها، فمن هنا تبرز قيمة الصحفي الحقيقي الذي لا يضيف صوتا جديدا الى الفوضى لكنما يبحث وسطها عن المعنى ولا يطارد الاثارة العابرة انما يفتش عن الحقيقة الباقية، فالمهنة التي بدأت قبل اكثر من قرن ونصف من صفحات الزوراء ما زالت حتى اليوم تخوض المعركة ذاتها دفاعاً عن حق العقل في ان يفهم، وحق المواطن في ان يعرف، وحق الوطن في ان يسمع صوته الحقيقي بعيدا عن الزيف والتضليل. 
وسيبقى يوم الصحافة العراقية اكثر من ذكرى عابرة في سجل المناسبات، فهو احتفاء بقوة الكلمة حين تكون نزيهة، وبهيبة الحقيقة حين تجد من يحملها، وبقدرة الوعي على الانتصار كلما حاول الجهل ان يفرض سلطانه، انه يوم يذكرنا بأن الحضارات لا تبنى بالحجارة وحدها انما تبنى ايضا بالافكار، وان الدول لا يحفظها السلاح وحده انما يحفظها كذلك قلم شريف يعرف متى يكتب وكيف يكتب ولماذا يكتب .. 
وبين اول حرف خطته الزوراء قبل اكثر من قرن ونصف، وبين ما تكتبه الصحافة العراقية اليوم تمتد حكاية وطن كامل ما زال يؤمن بأن للكلمة مكانة لا تقل قداسة عن مكانة التاريخ.


تابعنا على
تصميم وتطوير