
تبقى الزيارة التي قام بها الشاعر محمد مهدي الجواهري إلى مدينة هيت في أواخر خريف عام 1973 واحدة من المحطات المجهولة في سيرته الحافلة. فقد ظلت تلك الرحلة، التي حلّ فيها ضيفاً على شاعر المدينة ومربي أجيالها جاسم محمد أمين « أبو مهند»، حفيد ذياب الياسين صاحب الديوان الهيتي المعروف، محاطة بشيء من الغموض، وشحيحة في أخبارها وصورها وتفاصيلها، حتى جاء القاص والكاتب إبراهيم أحمد ليزيح جانباً من ذلك الستار في كتابه الصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة بعنوان « ذكرياتي مع الجواهري.. الوطن والمنفى».لا يقدم المؤلف دراسة نقدية في شعر الجواهري، كما يوضح في مقدمة كتابه، وإنما يستعيد ذكريات ومواقف عاشها معه على امتداد ما يقارب ربع قرن، متنقلاً بين الوطن والمنفى، وبين بغداد وبراغ وبودابست ودمشق والجزائر. ومن خلال هذه الذكريات تتشكل أمام القارئ صورة الجواهري الإنسان، بما فيها من طباع ومواقف وهواجس وانفعالات، أكثر مما تتشكل صورة الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس.كان إبراهيم أحمد وسعود الناصري وراء ترتيب تلك الزيارة بعد أن عبّر الجواهري عن رغبته في رؤية المدينة والاقتراب من الفرات في مجراه الأعلى، ومشاهدة النواعير التي طالما سمع عنها. ورافقه في تلك الرحلة ابنه فرات، وعلي الحلي، وهاشم الطعان، والفريد سمعان، فيما يذكر المؤلف أن الفنان حميد البصري كان ضمن المجموعة، لكنه حين راسله لاحقاً في هولندا لاستعادة تفاصيل الرحلة أجابه : « لا أتذكر شيئاً… وللعمر حوبة».وصل الضيوف إلى بيت أبي مهند المطل على الفرات بعد ليلة ممطرة جعلت الأرض موحلة وزلقة. ويستعيد المؤلف طرفة لطيفة حين تعثر الجواهري في سيره وصاح به مازحاً: هاي وينك؟ أنت تركض مثل الغزال وتاركني وحدي!. ومن هناك تبدأ حكاية ليلة عامرة بالسمر والحديث والشعر وما لذ من الطعام والشراب، أعقبتها جولة في صباح اليوم التالي بين معالم هيت القديمة، من منارة جامع الفاروق الشاهقة إلى النواعير وبقايا الطواحين وعين الكبريت ومقهى الشاقوفة. وكان رفاق الجواهري يأملون أن تثمر تلك الرحلة قصيدة جديدة، ولا سيما أن المكان بكل ما فيه من ماء وتاريخ وذاكرة بدا مهيأً لاستفزاز مخيلة الشاعر، لكن القصيدة لم تولد، وحضر كل شيء في تلك الرحلة إلا شيطان الشعر.
تكمن قيمة الكتاب في أنه يلتقط التفاصيل الصغيرة التي غالباً ما تغيب عن كتب التراجم والدراسات الأدبية. فهو يحدثنا عن علاقة الجواهري بالملوك والرؤساء والأحزاب، وعن صداقاته وخصوماته، وعن ذكرياته مع أعلام عصره مثل الرصافي والزهاوي وطه حسين والحصري وغيرهم. كما يروي طرائف إنسانية تكشف جانباً مختلفاً من شخصيته، من حديثه عن نظارته التي سواها طبيب هتلر، وطقم أسنانه الذي سواه طبيب ستالين، إلى تعلقه براديو الترانزستور وساعته المنضدية، مروراً بمواقفه الطريفة في المنافي العربية والأوروبية.ذكريات أحمد إبراهيم مع الجواهري شهادة حية على مرحلة مضطربة من تاريخ العراق الحديث، تُروى من خلال رجل عاشها بقرب أحد أكبر شعرائه. أما حديث رحلته إلى هيت فيعيد إلينا صورة شاعر كبير وقف يوماً على ضفاف النهر الخالد، متأملاً الماء والتاريخ، قبل أن يمضي مع التيار إلى منفى جديد، من دون أن يكتب قصيدته المُنتظَرة وهو يطل على أعالي الفرات من إحدى مدنه الجميلة.