
في ذاكرة المسرح العراقي، تقف أسماء قليلة بوصفها علامات فارقة أحدثت تحولاً نوعياً في بنية العرض المسرحي، ومن بين هذه الأسماء يبرز الدكتور صلاح القصب بوصفه واحداً من أبرز المجددين الذين اشتغلوا على تفكيك السائد وإعادة تركيب المشهد المسرحي وفق رؤية بصرية فلسفية عميقة. لم تكن تجربته وليدة لحظة عابرة، بل جاءت نتيجة تراكم معرفي وثقافي امتد عبر أجيال من الرواد، واستند إلى إرث مسرحي عراقي وعربي وعالمي، ليؤسس مشروعاً جمالياً خاصاً عُرف بـ»مسرح الصورة». في هذا التحليل الصحفي، نتتبع ملامح هذه التجربة، ونقف عند محطاتها الأساسية، ونقرأ في رؤاها النقدية والفكرية التي أسهمت في إعادة تعريف المسرح العراقي.
الجذور والتكوين المسرحي
ولد الدكتور صلاح القصب في بغداد عام 1945، في بيئة ثقافية خصبة كانت تمور بالحراك الفني والأدبي. وقد جاء تكوينه الفني متأثراً بتجارب كبار المسرحيين العراقيين مثل إبراهيم جلال وجعفر السعدي وقاسم محمد وسامي محمد، وهي تجارب شكلت البنية التحتية للوعي المسرحي لديه.
غير أن القصب لم يكتفِ بالتلقي، بل انفتح على تجارب عربية وعالمية، خصوصاً المسرح التونسي عبر تأثير الأستاذ حميد حمد جواد، ما أتاح له فرصة استيعاب مفاهيم جديدة تتعلق بالفضاء المسرحي والاشتغال البصري. هذا التراكم المعرفي جعله قادراً على بلورة رؤيته الخاصة التي تميل إلى تجاوز النص الأدبي نحو الصورة بوصفها لغة قائمة بذاتها.
مشروع مسرح الصورة والتحول الجمالي
يُعد مشروع مسرح الصورة الذي تبناه القصب من أبرز التحولات في المسرح العراقي. فقد انطلق من فكرة أن المسرح ليس نصاً يُقرأ، بل صورة تُرى وتُحس. وهو بذلك أعاد الاعتبار للعنصر البصري، وجعله مركز الثقل في العرض المسرحي.
لقد رأى القصب أن الشعر والرواية والفنون كافة يمكن أن تكون بصرية، وأن المسرح ينبغي أن يتحرر من هيمنة السرد اللغوي الذي طغى عليه بفعل الظروف السياسية التي جعلته أداة أيديولوجية. ومن هنا جاءت محاولاته لنقل المسرح من بنيته السردية إلى فضاء بصري مفتوح، يعتمد على التشكيل الضوئي والحركي والرمزي.
وقد تجلت هذه الرؤية في أعماله التي اتسمت بالجرأة والتجريب، حيث لم يتردد في إعادة قراءة النصوص الكلاسيكية مثل أعمال ويليام شكسبير بطريقة جديدة، كما في «هاملت» و»الملك لير» و»ماكبث»، مقدماً إياها ضمن بناء بصري مغاير.
صراع الرؤية والتمرد الأكاديمي
لم تكن رحلة القصب سهلة، بل واجهت الكثير من التحديات، خصوصاً في بداياته الأكاديمية. فقد اصطدم بأساتذته نتيجة اختلاف الرؤية، حيث كان يسعى إلى اقتحام مناطق جديدة في الإخراج المسرحي، وهو ما قوبل بالرفض في حينه.
بلغ هذا الصراع ذروته حين تم اعتباره راسباً في إحدى مراحله الدراسية بسبب مشروعه التجريبي، غير أن تدخل الأستاذ سامي عبد الحميد أنصف تجربته، مطالباً باحترام هذا التمرد الإبداعي.
هذا الحدث لم يكن مجرد واقعة عابرة، بل شكل نقطة تحول في مسيرة القصب، حيث دفعه إلى المضي قدماً في مشروعه، رغم ما واجهه من نقد قاسٍ في بداياته.
المنجز الإخراجي وتعدد التجارب
أخرج القصب عشرات المسرحيات التي تنوعت بين النصوص العالمية والعربية، ومنها هاملت ، العاصفة، عطيل، الشقيقات الثلاثة والخال فانيا، إلى جانب أعمال ذات طابع تجريبي خاص مثل أحزان مهرج السيرك و عزلة في الكريستال.. تميزت هذه الأعمال بقدرتها على تحويل الخشبة إلى فضاء بصري نابض، حيث تتحول العناصر البسيطة إلى دلالات عميقة.
وقد تجلى ذلك في إحدى تجاربه عندما حوّل قطعة قماش إلى بحر متحرك عبر الضوء، في مشهد أثار إعجاب الفنان المصري نور الشريف الذي صفق له وقوفاً، معبراً عن رغبته في العمل معه.
هذا التفاعل يعكس مدى تأثير تجربة القصب، ليس فقط على المستوى المحلي، بل على المستوى العربي أيضاً، وللتذكير فإن إرث القصب واسع وكبير، وهذه بعض اعماله:
الاسم : صلاح مهدي القصب
• الولادة : بغداد 1945
• الوظيفة :أستاذ في كلية الفنون الجميلة / بغداد /أستاذ مادة الإخراج
• التحصيل العلمي: دكتوراه /إخراج مسرحي / رومانيا
• الدرجة العلمية : بروفسور
• أستاذ في كلية الفنون الجميلة / قسم المسرح / جامعة بغداد
المسرحيات التي أخرجها
1- مسرحية ( هاملت) تأليف : وليم شكسبير .
2- مسرحية (العاصفة) تأليف : وليم شكسبير .
3- مسرحية (الملك لير) تأليف : وليم شكسبير .
4- مسرحية (ماكبث ) تأليف : وليم شكسبير .
5- مسرحية (طائر البحر) .
6- مسرحية (الشقيقات الثلاثة ) .
7-مسرحية (الخال فانيا) تأليف : تشيخوف .
8-مسرحية (أحزان مهرج السيرك) .
9-مسرحية (الخليقة الابلية) .
10- مسرحية (حفلة الماس ) .
11- مسرحية (عزلة في الكريستال) .
12- مسرحية (الخادمات) .
13- مسرحية (عطيل) تأليف : وليم شكسبير .
14- مسرحية (عرض أزياء) .
15- مسرحية ( ثورة الزنج) .
16- مسرحية (محاكمة لوكولوس ) .
17- مسرحية (الحلاج) .
البحوث التي قدمها
1.المسرح والمدينة – الندوة العالمية /تونس.
2.التجريب في المسرح العربي – الندوة العالمية / القاهرة.
3.مدايات المسرح وأزمة العالم –الندوة العالمية /القاهرة.
4.الدراما تورك في المسرح – الندوة العالمية / دمشق.
5.التكنولوجيا في المسرح –السينما والمسرح / بغداد.
6.المسرح والمستقبل – الندوة العالمية / تونس.
7.المسرح العربي وفضاءات التجربة – الندوة العالمية / المغرب.
التكريم والجوائز
1.تكريم مهرجان القاهرة التجريبي /2006.
2.تكريم قلادة الرئيس علي بن زين العابدين للإبداع / تونس2007.
3.تكريم مهرجان قرطاج للمسرح العالمي /تونس 2004
4.تكريم مهرجان المسرح الامازيغي / المغرب 2008
الكتب والبحوث
1. مسرح الصورة بين النظرية والتطبيق / كتاب.
2. سيناريوهات صورية / كتاب.
3.كيمياء الصورة / كتاب.
4. اشتغالات الموجة في المكون العرض المسرحي / بحث.
5. مونادا الصورة / بحث.
6. الصورة الشعرية في المسرح / بحث.
7. التجريب في المسرح الصوري / كتاب.
8. فلسفة الكوانتم في مسرح الصورة / كتاب تحت الطبع.
9. الاشتغالات الفيزياصورية في مسرح الصورة / بحث.
الوظائف التي شغلها
1. معاون عميد كلية الفنون للشؤون العلمية / بغداد .
2. رئيس قسم الفنون المسرحية / بغداد.
3.عضو لجنة الفنون والعمارة / المجمع العلمي العراقي .
4. خبير / المجلس الثقافي للآداب والفنون دولة قطر من عام 2000- 2005.
5. أستاذ مادة الإخراج المسرحي / كلية الفنون الجميلة / بغداد .
المسرحيات التي أخرجها خارج العراق
1.مسرحية (الخادمات) / بيروت .
2.مسرحية (عرض أزياء) / طوكيو.
3.مسرحية (عطيل) / قطر.
الورش النظرية والتطبيقية خارج العراق.
1.طوكيو/ اليابان .
2.تونس .
3.القاهرة / مصر .
4.رومانيا .
5.الأردن .
6.بيروت / لبنان .
الإنتاج الفكري والتنظير المسرحي
إلى جانب عمله الإخراجي، قدم القصب عدداً كبيراً من البحوث والدراسات التي أسهمت في تأصيل تجربته نظرياً. ومن أبرز كتبه «مسرح الصورة بين النظرية والتطبيق» و»كيمياء الصورة» و»سيناريوهات صورية».
كما شارك في العديد من الندوات العالمية، مقدماً أوراقاً بحثية تناولت قضايا مثل التجريب في المسرح العربي والتكنولوجيا في العرض المسرحي والمستقبل المسرحي. هذه الإسهامات جعلت منه ليس فقط مخرجاً، بل منظراً مسرحياً يمتلك رؤية فلسفية متكاملة.
الحضور الأكاديمي والتأثير التربوي
عمل القصب أستاذاً في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، حيث درّس مادة الإخراج المسرحي، وتولى مناصب عدة منها معاون العميد ورئيس قسم الفنون المسرحية.
وقد كان لتجربته التعليمية أثر كبير في تكوين أجيال جديدة من المسرحيين، حيث نقل إليهم خبرته ورؤيته، مشجعاً إياهم على التجريب وعدم الانصياع للقوالب الجاهزة.
التكريم والاعتراف العربي والدولي
حظي القصب بتكريمات عديدة، منها تكريمه في مهرجان القاهرة التجريبي، وقلادة الإبداع في تونس، ومهرجان قرطاج، ومهرجان المسرح الأمازيغي في المغرب.
كما عبّر عن اعتزازه بتكريمه من قبل ملتقى الإذاعيين والتلفزيونيين العراقيين، معتبراً ذلك وساماً يعكس تقدير الوسط الثقافي لتجربته.
قراءة في واقع المسرح العراقي
في تقييمه للواقع المسرحي، أبدى القصب أسفه لتأخر الجانب التكنولوجي في المسرح العراقي، معتبراً أن ذلك يشكل عائقاً أمام تطور العرض المسرحي.
كما انتقد الحركة النقدية، واصفاً إياها بالبائسة، لعدم قدرتها على مواكبة التحولات، وبقائها ضمن حدود جغرافية وفكرية ضيقة.
رؤية مستقبلية وطموح مستمر
رغم مسيرته الطويلة، ما زال القصب يمارس عمله الأكاديمي، ويحلم بمسرح عراقي متطور، وبجيل جديد قادر على حمل الراية.
إن تجربته تمثل نموذجاً للمثقف الذي لم يكتفِ بالمنجز، بل ظل يسعى إلى تطوير أدواته ورؤاه، مؤمناً بأن المسرح فضاء مفتوح للتجريب والاكتشاف.
الخلاصة
إن قراءة تجربة الدكتور صلاح القصب تكشف عن مشروع مسرحي متكامل، جمع بين الإبداع والتنظير، وبين التمرد والتأسيس.
لقد استطاع أن ينقل المسرح العراقي من ضيق السرد إلى اتساع الصورة، ومن التبعية إلى الاستقلال الجمالي.
وبينما تستمر التحديات التي تواجه المسرح العراقي، تبقى تجربة القصب شاهداً على قدرة الإبداع الفردي في إحداث التحول، وعلى أن المسرح.