
كان من نتائج انتخابات 15 كانون الاول 2005، فوز الائتلاف العراقي الموحد بتلك الانتخابات، وكان على الائتلاف ان يرشح رئيسا للوزراء منه على اعتبار انه الكتلة الاكبر ؛ فتم ترشيح ابراهيم الجعفري إلا ان رفض الاحزاب الكردية وكتلة التوافق فضلا عن التحفظ الامريكي على الجعفري، كان دافعا للبحث عن مرشح آخر من الكتلة نفسها.كانت السفارة الامريكية في بغداد امام مهمة جسيمة، تراقب الاوضاع عن كثب ، وتتفحص الاسماء المرشحة لرئاسة الوزراء وتفاضل بينها، وفي وثيقة احاطة بعثها السفير الامريكي زلماي خليل زاد إلى وزارة الخارجية الامريكية ، حلل شخصيات المرشحين لرئاسة الوزارة من منظوره ، كان السيد عادل عبد المهدي الاوفر حظاً في اعتقاد زاد، إذ وصفه «بمثابة عامل استقرار في الحكومة» من خلال عمله وزيرا للمالية ، ومما جاء في وصف زاد لعبد المهدي انه من (الوزراء التكنوقراط) (على الرغم من كونه من قيادات المجلس الاعلى للثورة الاسلامية)، و «كان وزيرا فاعلا للمالية خلال حكومة علاوي كتكنوقراط». واشاد زاد بطبيعة عمل عبد المهدي «بعمله القريب من القسم الاقتصادي في السفارة الامريكية» ، وبرر السفير عمله هذا بأن عبد المهدي سعى الى استعادة علاقات العراق مع صندوق النقد الدولي ومؤتمر المانحين بطوكيو، والاهم في تفضيل خليل زاد لعبد المهدي ان الاخير» ساعد في تحقيق الاهداف السياسية للولايات المتحدة خلال مفاوضات الدستور ، فضلا عن كونه عضوا بارزا في التحالف الاسلامي الشيعي (قائمة 555) علاوة على كونه قياديا في حزب (المجلس الاعلى للثورة الاسلامية). زد على ذلك رغبة رئيس جمهورية العراق وزعيم الاتحاد الوطني الكردستاني جلال الطالباني في دعم ترشيح عبد المهدي.وفي سياق متصل، خالف الزعيم الكردي القوي الاخر مسعود البارزاني رئيس اقليم كردستان وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني رأي الطالباني ، بخشيته من النفوذ الايراني ، ولا يريد عبد المهدي كرئيس للوزراء ، إذا كان جلال الطالباني رئيسا. ليس هذا فحسب ، إذ ابلغ رئيس الوزراء السابق اياد علاوي السفير سرا انه لن يشترك في وزارة يرأسها عبد المهدي. واثارت السفارة الامريكية تساؤلات من قبيل مكانة عبد المهدي داخل المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق ، افاد السفير خليل زاد، الذي عمل بالقرب من عادل عبد المهدي اثناء عملية صياغة الدستور ، انه يرجح باستمرار عبد العزيز الحكيم في زعامة المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق بشأن القرارات الرئيسية. مثلت علاقة المجلس الأعلى الثورة الإسلامية الوثيقة بإيران سببا في تردد كثير من القوى السياسية العراقية بمختلف أنواعها الطائفية والقومية في الذهاب بعيدا لترشيح عبد المهدي، وفق احاطة خليل زاد لوزارة الخارجية الامريكية، وأكد ذلك ما نقلته صحيفة بول اوفيس أن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد وصف عادل عبد المهدي في آخر زيارة له لإيران على «انه أستاذه في شؤون العراق»، واعتبر الرئيس الايراني نجاد انه لا جدوى من اجراء محادثات مع واشنطن حول المسألة العراقية، واشار الى انه مع تشكيل حكومة مستقرة في العراق : لن تعود هناك حاجة لمثل هذه المحادثات، وتساءلت السفارة إلى أي مدى سيرضخ عبد المهدي امام الضغوط الإيرانية القاسية ، وأكد تقرير السفارة أن شعبية عبد المهدي قليلة جدا بالقياس إلى الجعفري وعبد العزيز الحكيم واستشهدت في استطلاع رأي عام بشأن افضل رئيس وزراء في المناطق الشيعية ، إذ أظهر الاستطلاع انه ٧٧% من المستطلعين فضلوا الجعفري مقابل ٢% فقط فضلوا عادل عبد المهدي. وكررت السفارة تساؤلاتها في حالة اختيار عبد المهدي رئيسا للوزراء في قدرته على اختيار رئيس منظمة بدر هادي العامري على التراجع عن انشطة منظمته ، بالنظر إلى صلات المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق بفيلق بدر بإيران ، ومن جانب آخر توقعت السفارة الأمريكية في دعم عبد المهدي في حالة تسلمه منصب رئيس وزراء ، فضلا عن فكرة السيد عبد العزيز الحكيم بإقامة إقليم فدرالي في جنوب العراق والذي سيثير امتعاض العرب السنة ولربما تصادمهم مع الحكومة ، وعلقت السفارة إلى ان تقارب المجلس الأعلى مع العرب السنة يمكنه أن يخفف البعض وليس كل مخاوف العرب السنة بشأن التلاعب الإيراني في المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق. أما المرشح الاخر فهو الأمين العام لحزب الفضيلة نديم الجابري والذي وصفته الوثيقة بأنه «صاحب أقوى جاذبية عابرة للطوائف» وحصل على قوى معتبرة لترشيحه ، من أمثال رئيس اقليم كردستان مسعود البارزاني ، ورئيس الوزراء السابق إياد علاوي ولم يتردد قادة تحالف التوافق طارق الهاشمي وخلف العليان في تفضيلهم نديم الجابري على عبد المهدي ، حللت الوثيقة شخصية نديم الجابري ووصفته بالضعف ولا يحظى بدعم كبير في السياسة الوطنية العراقية والائتلاف الشيعي أو حتى حزبه، ورغم ترشيح الجابري من جانب حزب الفضيلة إلا أن الحزب متمسك بالائتلاف العراقي الموحد ، وليس على استعداد للانفصال عن الائتلاف لمساعدة الجابري على الفوز في منصب رئيس الوزراء ، وبدلا من ذلك تبدو تلميحات الجابري وكأنها مساومة على الاقل ، وبررت الوثيقة بذلك أن مرجعية اليعقوبي في النجف لم تدعم انفصال الفضيلة عن الائتلاف العراقي الموحد. وانتقدت الوثيقة الجابري بالقول « لقد ظَل بعيدا عن الأضواء إلى حد ما ولم يجعل نفسه متاحا للجمهور العراقي ، لم يحرز نتائج جيدة في استطلاعات الرأي التي أجراها المعهد الجمهوري الدولي ضمن ائتلاف القائمة(555)». واعترفت الوثيقة بصغر حجم حزب الفضيلة مقارنة بالمجلس الاعلى للثورة الإسلامية في العراق وليس لدى نديم الجابري قاعدة دعم كبيرة مثل عادل عبد المهدي أو إبراهيم الجعفري ، وانتقد حتى عدم سيطرته على أركان حزبه، وضرب مثلا على ذلك تمرد محافظ البصرة محمد مصبح الوائلي على إملاءات الجابري، وأكدت الوثيقة أن سحب دعم أية الله اليعقوبي للجابري، سينهي مسيرة الجابري السياسية ، واستخلصت الوثيقة إن القيود المفروضة على نفوذ الجابري تجعله من الصعب ان يتخذ قرارات سياسية صعبة مثل إصلاح وزارة الداخلية دون دعم كبير من الولايات المتحدة.واعترفت الوثيقة برغبة نديم الجابري التشاور مع السفارة الأمريكية بشكل وثيق، وقد اعرب الجابري للسفارة عن عدم ارتياحه للنفوذ الإيراني في العراق ، ولا يظهر أي دليل على وجود علاقات وثيقة مع إيران الأمر الذي يجعل الجابري مرغوبا عند زعامات التوافق، وكثيرا ما تباهى الجابري بوصف نفسه بأنه وطني عراقي ، ولم ينتقل إلى لندن او طهران خلال حقبة نظام صدام بدلاً من ذلك بقي في العراق حيث كان استاذا للعلوم السياسية في جامعة بغداد.. إن أحجام الجابري عن تشجيع السيد عبد العزيز الحكيم في فكرة الفدرالية في جنوب العراق ستهدأ زعامات حزب التوافق وأن لغة احتواء الصراع الطائفي التي يروج لها الجابري مقبولة جدا إلا ان السفارة الأمريكية تشكك كثيرا في قدرته على الإنجاز، وتوقعت السفارة الأمريكية أن اختيار الجابري رئيساً للوزراء سيدفع المجلس الاعلى إلى مضاعفة طلباته في وزارات سيادية اكثر بما في ذلك وزارة الداخلية ، وسيطالب التيار الصدري بأكثر من نصيبهم العادل من الوزارات مقابل دعم حكومة يقودها حزب يعتبرونه منافسا رئيسياً. وانتقدت الجذور الايدولوجية في الفكر الاقتصادي لنديم الجابري الذي يؤمن بالاقتصاد الاسلامي القائم على العدالة الاجتماعية، الامر الذي جعل الجابري» شريكا ضعيفاً في جهوده لتشجيع الاصلاح الاقتصادي العراقي».
أما المرشح الأضعف في منصب رئيس الوزراء فهو نائب رئيس الوزراء والعالم النووي حسين الشهرستاني، وتبرر وثيقة السفارة ضعفه بأنه يملك القليل من الدعم من بعض مستقلي الائتلاف العراقي الموحد ، فضلا عن أن تشدده الكبير في قضايا الأمن اساء إلى علاقته مع زعامات جبهة التوافق العراقي ، بوصفه عضوا في لجنة الأمن في مجلس النواب انتقد بقوة قوات التحالف لعرقلة العمليات الأمنية لوزارة الداخلية، لكن الوثيقة اعترفت بكفاءة وفعالية الشهرستاني لمجلس النواب العراقي ، لاسيما في أواخر دورة عام ٢٠٠٥ حينما عرض قانون الموازنة لعام ٢٠٠٦ في ظل غياب رئيس مجلس النواب. وتحفظت السفارة الأمريكية على وجهات نظر الشهرستاني التي وصفتها بالمتطرفة حول الإسلام كمصدر أساسي للقانون، وحاولت السفارة الترويج لإشاعة ايمان الشهرستاني بنظرية ولاية الفقيه التي جاء بها قائد الثورة الإسلامية في إيران الإمام الخميني والتي تعد النظام السياسي في إيران، لكن تقرير السفارة سرعان ما يناقض نفسه بالاعتراف « لم نر أي دليل على وجود علاقات وثيقة مع أي دولة اجنبية على الرغم من أنه قضى وقت طويلا في إيران بعد هروبه من العراق عام ١٩٩١». تصفه الوثيقة أنه أكثر وضوحا أثناء الاجتماعات مع المسؤولين الأمريكيين، إلا أنه يرى ان الولايات المتحدة غالبا ما يكون لها مصالح في العراق لا تتطابق مع مصالح العراق، ويضرب التقرير مثالا على ذلك بتحفظه بشأن ضرورة وتوقيت قانون تسعير الوقود. أما آخر المرشحون لرئاسة الوزراء حسب وجهة نظر السفارة الأمريكية، فهو جواد المالكي، وصنف التقرير بأنه مرشح (الحصان الاسود)، إذ ذكرت الوثيقة ان نوري كامل او أبو إسراء يمكن أن يظهر كمرشح الحصان الاسود لمنصب رئيس الوزراء إذا اشتدت المعارضة ضد عادل عبد المهدي ، وفشل الجعفري في ترسيخ موقفه ، وسوغت الوثيقة هذا الخيار على أساس خشية الساسة من جميع الأطراف من صعود المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، غير انه كثير من أولئك الساسة خشوا من التجديد لولاية أخرى الجعفري الذي وصفته الوثيقة بـ «غير الكفوء»، وتوقعت الوثيقة ضغط ساسة العراق على حزب الدعوة لرئاسة الحكومة من خلال المالكي بدلا من الجعفري ومحاولة إقناع الجعفري بلعب دور مشابه لدور عبد العزيز الحكيم. ووصفت الوثيقة نوري المالكي بأنه المتحدث الرسمي باسم الائتلاف العراقي الموحد وضمن القيادة الثلاثية العليا لإدارة حزب الدعوة ( نوري المالكي - علي الأديب- إبراهيم الجعفري ) ومن خلال تجربته البرلمانية بوصفه النائب السابق لرئيس المجلس الوطني العراقي المؤقت ورئيس لجنة الأمن والدفاع في الجمعية الوطنية اعتبرته وثيقة السفارة الأمريكية «أحد رجال الدولة البارزين في الجمعية الوطنية واحد داعمي الحكومة العراقية الذين لا يكلون». وفي سياق متصل ، كانت لدى المالكي مخاوف عميقة بشأن توسيع النفوذ الإيراني في العراق مما ادخله في كثير من الأحيان في صراع مع النظام الإيراني على حد وصف وثيقة السفارة ، إلا أنه ومن جانب آخر مدافع متشدد عن اجتثاث البعث وغالبا ما اصطدم مع زعامات جبهة التوافق العراقية بسبب عمله في هيئة اجتثاث البعث. وحللت الوثيقة مخاوف المالكي بالقول «ان قلقه العميق من التدخل الإيراني قابله فقط عدم ارتياحه وارتيابه بإمكانية حدوث انقلاب بمعنى اخر وعلى هذا النحو فقد عمل بلا كلل لمراجعة ملف التعيينات في الدرجات الخاصة في حكومة الجعفري ولطالما افتخر المالكي انه اوقف العديد من الجهود لتنصيب البعثيين في مناصب قيادية والمؤامرات المزعومة لوضع مدراء غير موثوق بهم في مواقع امنية حساسة في المنطقة الخضراء او حولها». واشارت الوثيقة الى اندفاع المالكي في اجراء حازم ضد التمرد الذي تقوده الجماعات المسلحة على حساب انتهاكات حقوق الانسان ، واشادت السفارة الامريكية بتعاونه بقوة مع الدبلوماسيين الأمريكيين لمقاومة الجهود لإنشاء لجنة سيادة في الجمعية الوطنية ، كانت ستدعو لانسحاب فوري للقوات متعددة الجنسية من العراق ، وقد تم انشاء اللجنة ثم تم تفكيكها ، قبل ان تطالب بانسحاب القوات المتعددة الجنسية، ويرجع ذلك جزئيا الى تدخل المالكي. واشار خليل زاد، في معرض تقييمه للمرشحين لرئاسة الوزراء من قائمة الائتلاف الوطني الموحد، بالقول لا يقدم اي من المرشحين لرئاسة الوزراء من القائمة حلا سريعا واضحا للخلل السياسي في العراق. تثير المناقشة اعلاه اسئلة حول ايهما المرشح الاوفر حظاً ، وهنا اعترف السفير الامريكي بعدم قدرته سوى التكهن وعرض تساؤلات من قبيل: هل ستفوق فوائد فعالية عبد المهدي المغرضة مساوئ ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء الذي ينظر إليه على انه مرتبط بفيلق بدر وايران؟ هل ستكون التكلفة غير المشكوك فيها لبقاء الجعفري في منصبه، مع سجله المعروف جيدا من عدم الكفاءة، اكبر من مخاطر الجابري غير المعروف نسبيا؟ هل سيكون المزيج الصحيح من الوزراء الاكفاء الذين يمثلون الاثنيات والطوائف ، قادرين على ادارة شؤون الجعفري في ولايته الثانية؟.
* أستاذ التاريخ الأمريكي في جامعة بغداد.