
تتصاعد بين الحين والآخر أصوات تدعو إلى إلغاء وزارة الكهرباء أو نقل مسؤولياتها بالكامل إلى القطاع الخاص استناداً إلى ما يشهده القطاع من تحديات مزمنة أو حالات فساد أو إخفاقات إدارية ورغم مشروعية الغضب الشعبي من واقع الخدمة الكهربائية فإن هذه الدعوات تستند في جوهرها إلى تشخيص غير دقيق لطبيعة المشكلة …
فالفساد يجب أن يُحارب والإخفاق يجب أن يُحاسب والإدارة يجب أن تُراجع وتُقيّم باستمرار لكن ذلك يختلف تماماً عن اختزال أزمة الكهرباء بوجود وزارة الكهرباء أو الاعتقاد بأن إلغاءها سيؤدي تلقائياً إلى حل الأزمة.
إن هذا المنطق يشبه معالجة أعراض المرض بدلاً من أسبابه أو تحميل إحدى حلقات المنظومة مسؤولية تعثر المنظومة بأكملها؟
الحقيقة التي كثيراً ما تغيب عن النقاش العام هي أن الكهرباء ليست وزارة، وليست محطة توليد، وليست شبكة نقل أو توزيع فحسب، بل هي منظومة وطنية متكاملة تتقاطع فيها مسؤوليات عشرات المؤسسات الحكومية والتشريعية والأمنية والاقتصادية والخدمية ولذا فإن أي تقييم موضوعي لأداء قطاع الكهرباء يجب أن يبدأ من فهم حقيقة جوهرية مفادها أن وزارة الكهرباء تمثل جزءاً مهماً من المنظومة، لكنها ليست المنظومة كلها….
- الوقود قبل التوليد
لا توجد منظومة كهربائية في العالم تستطيع إنتاج الطاقة من دون وقود. فمهما بلغت كفاءة المحطات أو تطورت تقنيات التشغيل، يبقى الإنتاج مرهوناً بتوفر الغاز أو الوقود السائل بالكميات والنوعيات والتوقيتات المطلوبة.
وبالتالي فإن استقرار إنتاج الطاقة لا يعتمد على وزارة الكهرباء وحدها، بل يرتبط ارتباطاً مباشراً بقدرة قطاع النفط على تأمين الوقود اللازم لتشغيل المنظومة.
- الأرض أساس المشروع
المشاريع الكهربائية لا تُنفذ على الورق، بل تحتاج إلى أراضٍ تتوافر فيها متطلبات فنية وقانونية وبيئية محددة.
وفي العراق، قد يتطلب تخصيص موقع واحد لمحطة توليد أو محطة تحويل أو خط نقل استراتيجي المرور بسلسلة طويلة من الموافقات والإجراءات التي تشترك فيها جهات عديدة، الأمر الذي يؤدي أحياناً إلى تأخير المشاريع لسنوات قبل أن تبدأ أعمال التنفيذ الفعلية.
- التخطيط العمراني وأزمة الأحمال
صُممت معظم شبكات التوزيع في العراق وفق معايير وأحمال سكانية وعمرانية محددة. إلا أن التوسع العمراني غير المنظم، والانشطارات السكنية، والتغيير غير الأصولي لاستعمالات الأراضي، وإنشاء آلاف الوحدات السكنية والتجارية خارج التصاميم الأساسية للمدن، أدى إلى تضاعف الأحمال بصورة تجاوزت بكثير ما صُممت له تلك الشبكات.
وعليه فإن جانباً مهماً من الاختناقات الحالية لا يعود إلى ضعف الشبكة فقط، بل إلى ضغوط عمرانية وتخطيطية تراكمت على مدى سنوات طويلة.
- التجاوزات… مشكلة دولة لا وزارة
تقوم وزارة الكهرباء برصد التجاوزات على الشبكة الوطنية واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، إلا أن إزالة التجاوزات وتنفيذ القرارات القضائية يتطلبان تدخلاً من جهات تنفيذية وأمنية وقضائية متعددة.
ولهذا فإن نجاح أو فشل معالجة هذه الظاهرة لا يرتبط بوزارة الكهرباء وحدها، بل بمدى تكامل أداء مؤسسات الدولة ذات العلاقة.
- الأحمال غير المخططة
إن التوسع السكني والتجاري على الأراضي غير النظامية أو الزراعية أوجد طلباً متزايداً على الطاقة الكهربائية خارج الخطط والدراسات المعتمدة.
وعندما تكون الوزارة غير قادرة قانونياً على تزويد تلك المناطق بالطاقة، تظهر أشكال مختلفة من الربط غير المشروع بالشبكة، فتتحمل المنظومة أحمالاً لم تدخل أصلاً ضمن حسابات التصميم أو التخطيط.
- كفاءة الاستهلاك مسؤولية مشتركة
تعاني المنظومة الكهربائية من أحمال مرتفعة نتيجة انتشار أجهزة ومعدات كهربائية منخفضة الكفاءة وعالية الاستهلاك للطاقة.
إن ضبط نوعية البضائع المستوردة وتطبيق المواصفات القياسية وملصقات كفاءة الطاقة مسؤولية تشترك فيها جهات عديدة، في حين ينعكس أي خلل في هذا الملف مباشرة على أداء الشبكة الوطنية وكفاءة استهلاك الطاقة.
- التشريعات والموازنات
قطاع الطاقة من أكثر القطاعات اعتماداً على البيئة التشريعية والاستقرار المالي.
فالقوانين المتأخرة، والمشاريع التشريعية المعطلة، وتأخر إقرار الموازنات أو عدم إقرارها، جميعها عوامل تؤثر بصورة مباشرة على تنفيذ المشاريع وتطوير البنية التحتية وتحقيق الأهداف الاستراتيجية للقطاع.
- الموارد البشرية
لا يمكن عزل أداء أي مؤسسة عن مستوى النظام التعليمي الذي يرفدها بالكوادر.
فوزارة الكهرباء تعتمد على مخرجات الجامعات والمعاهد في المجالات الهندسية والفنية والإدارية، وأي تراجع في جودة التعليم أو التدريب سينعكس حتماً على كفاءة الأداء المؤسسي وقدرة القطاع على استيعاب التكنولوجيا الحديثة ونقل المعرفة وتوطين الخبرات.
- الأمن الكهربائي
تمتد شبكة النقل الكهربائية العراقية لعشرات الآلاف من الكيلومترات وتضم آلاف الأبراج والمحطات المنتشرة في مختلف المحافظات.
وقد تعرضت هذه الشبكة خلال سنوات طويلة إلى أعمال تخريب واستهداف وإرهاب أثرت بشكل مباشر على استقرار المنظومة وموثوقيتها، ما يجعل حماية البنية التحتية الكهربائية مسؤولية وطنية تتجاوز حدود وزارة الكهرباء.
- الإعلام والتوعية
في القطاعات الحيوية لا يكفي تنفيذ المشاريع، بل يجب أيضاً بناء فهم مجتمعي لطبيعة التحديات والحلول
وقد أدى ضعف الخطاب الإعلامي المتخصص في بعض الأحيان إلى اتساع الفجوة بين الحقائق الفنية والانطباعات العامة وهو ما ساهم في ترسيخ تصورات غير دقيقة حول أسباب الأزمة ومسارات معالجتها
ومما تقدم فإن أزمة الكهرباء في العراق ليست أزمة وزارة، بل أزمة منظومة وطنية متشابكة تتداخل فيها مسؤوليات النفط والتخطيط والمالية والبلديات والمحافظات والقضاء والأجهزة الأمنية والبرلمان والمؤسسات الرقابية والتعليمية والإعلامية.
ولذلك فإن المطالبة بإلغاء وزارة الكهرباء بسبب وجود فساد أو إخفاقات داخلها تشبه المطالبة بإلغاء وزارة الصحة بسبب أخطاء بعض المستشفيات أو إلغاء وزارة التربية بسبب تراجع مستوى التعليم.
الحل لا يكمن في البحث عن جهة واحدة لتحميلها كامل المسؤولية!! بل في بناء منظومة متكاملة تتكامل فيها الأدوار وتُحاسب فيها جميع الجهات وفق مسؤولياتها الحقيقية فالكهرباء ليست مؤسسة تعمل بمعزل عن محيطها … بل نظام متكامل!!!
والحقيقة التي يجب أن تبقى حاضرة في أي نقاش جاد هي:
الكهرباء لا يمكن أن تعمل إلا داخل نظام…
وإذا اختل النظام اختلت الكهرباء معه.