رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
هل فشل ستارمر؟


المشاهدات 1195
تاريخ الإضافة 2026/06/22 - 11:16 PM
آخر تحديث 2026/06/23 - 9:00 PM

ريتشيل سيلفيستر/  كاتبة سياسية
ستارمر لم يكن فاسداً ولا مساوماً ولا مجنوناً – لكن فشله في ترك أثر حقيقي كان عميقاً.
 أن العداء الشعبي العميق لرئيس الوزراء يصعب تفسيره، ولكن هناك سبباً بسيطاً جعل الناخبين لا يدعمونه.
لم يقبل كير ستارمر 5 ملايين جنيه إسترليني من ملياردير عملات مشفرة مقيم في الخارج مثل نايجل فاراج، ولم يقم حفلات في «داونينغ ستريت» تنتهك قواعد الإغلاق مثل بوريس جونسون، ولم يتسبب في انهيار الاقتصاد مثل ليز تراس. إن رئيس الوزراء المغادر ليس فاسداً، ولا مساوماً، ولا مجنوناً. والعداء الشعبي العميق تجاهه يصعب تفسيره - وهو غير عادل في كثير من النواحي - ولكن القيادة تشبه الأشعة السينية للروح، وقد كُشفت تصدعات ستارمر السياسية منذ البداية. يشير البعض إلى خفض إعانة وقود الشتاء باعتباره «الخطيئة الأولى»؛ ويسلط آخرون الضوء على إصلاحات الرعاية الاجتماعية الفاشلة أو قراره بقبول نظارات مجانية. وينتقد أعضاء البرلمان فشل ستارمر في «تقديم رؤية واضحة»، ويسلطون الضوء على افتقاره إلى الكاريزما، أو يقولون إنه كان سيئ التقييم للشخصيات في تعييناته. بينما يرى مؤيدوه أنه وقع ضحية للمزاج المناهض للحكومات القائمة والذي يجتاح العالم. أظن أن المشكلة الحقيقية كانت أكثر عمقاً؛ إذ لم يتمكن ستارمر قط من شرح سبب رغبته في أن يصبح رئيساً للوزراء بشكل صحيح. في الواقع، لم يكن واضحاً ما إذا كان يعرف ذلك بنفسه حقاً. لم يكن هناك «جوهر ثابت لا يتجزأ» لرئاسته، ولا مشروع حكم يمكن للجميع الاتحاد حوله. وهذا يعني أن «وايت هول» (الحكومة البريطانية) لم تكن تعرف ما يفترض بها تحقيقه، ولم يتمكن الناخبون من رؤية الجدوى من حكومته. وقد ترك هذا رئيس الوزراء يتخبط في كل اتجاه، حتى أطلق عليه المسؤولون المحبطون لقب «كبير المترددين».
وعلى الرغم من نزعته الراديكالية المتأخرة التي تمثلت في إعلان الحكومة عن حظر وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عاماً والوعد بالتقارب مع أوروبا، بدا ستارمر في كثير من الأحيان وكأنه يضغط على المكابح في وقت كان فيه الناخبون يريدون تسريع خطى البلاد نحو التغيير. اتسمت حكومته بالتدرج البطيء لأنها لم تجرؤ على المضي قدماً في التحول الضروري في مجالات عديدة، من إصلاح الرعاية الاجتماعية والرعاية الصحية إلى التعليم والهوية الرقمية. كان هناك الكثير من التحليل للماضي ولكن لم تكن هناك خطة للمستقبل، وفشل رئيس الوزراء في تقديم التفاؤل الذي يتوق إليه الناس.وثمة تفسير سياسي لهذه العيوب؛ فستارمر محامٍ ليبرالي من شمال لندن، ينتمي إلى اليسار المعتدل في حزب العمال، لكنه كبح تلك الغرائز لاعتقاده أنه يتعين عليه استمالة ناخبي حزب «إصلاح بريطانيا» اليميني. كان يكره السياسة، لذا عهد بها بالكامل إلى مستشارين استراتيجيين مثل مورغان ماكسويني، الذي منحه حافة أكثر حدة بشأن الهجرة والبيئة وأوروبا. ونتيجة لذلك، وجد ستارمر نفسه يتظاهر بما ليس فيه؛ حيث ألقى خطاباً يلمح فيه إلى أن بريطانيا تتحول إلى «جزيرة من الغرباء». لم يؤمن بذلك قط، لكنه ظن أن هذا ما يجب عليه قوله ليفوز. وهذا يعني أنه بدا غير صادق - بل كان غير صادق بالفعل - وليس هناك ما يكرهه الناخبون أكثر من ذلك.
وفي الوقت نفسه، كان رئيس الوزراء متخوفاً من الدفاع عن الأمرين اللذين دفعاه حقاً لدخول معترك السياسة: الرغبة في ضمان تحقيق كل طفل لإمكانياته، ودعم حقوق الإنسان والقانون الدولي. فقد أخبره مستشاروه أن هذه الأمور ليست شعبية أو ذات صلة بالواقع. وعندما سألته مباشرة العام الماضي عن سبب رغبته في أن يصبح رئيساً للوزراء، قال إن ذلك يهدف إلى تغيير حياة الشباب الذين وقعوا «أضراراً جانبية» لفشل الحكومات السابقة. ولكن في غضون أيام، أعلن داونينغ ستريت أن تكلفة المعيشة هي أولويته الوحيدة. واجه ستارمر صعوبة في اتخاذ القرارات لأنه لم يثق بحدسه، وكان مستشاروه مهتمين فقط بالاستراتيجية السياسية بدلاً من الأفكار السياساتية.
شبهه أحد مساعديه ذات مرة بسائق قطار «دوكلاندز» الخفيف (DLR) الذي يعمل بدون سائق!..ربما كان ستارمر سيحقق أداءً أفضل لو امتلك الشجاعة لاتباع قناعاته الخاصة. لقد عين بيتر ماندلسون سفيراً في واشنطن، على عكس قناعته الشخصية، لمجرد أنه قيل له إنها خطوة ذكية سياسياً، وتبيّن لاحقاً أنها كانت كارثة. وعندما ساءت الأمور، ألقى ستارمر اللوم على كل من حوله، مضحياً بأشخاص طيبين بقسوة بدلاً من تحمل المسؤولية.
وقد يكون هناك أيضاً تفسير نفسي لفشل رئيس الوزراء في ترك أثر؛ فالسياسة مسعى عاطفي بقدر ما هي فكري، ولم يتمكن ستارمر من بناء هذا الرابط مع الناخبين. إن قصته الشخصية هي قصة انتصار على العقبات؛ فقد كان أول من يلتحق بالجامعة في عائلته، وقضى في طفولته أياماً طويلة جالساً بجوار سرير والدته في المستشفى.
إنها رواية قوية، لكن المقربين منه يعتقدون أنه واجه صعوبة في استغلال الطاقة العاطفية لتلك التجربة الشخصية لأنه شعر بالذنب لكونه «ناجحاً» في عيون المجتمع بينما مر إخوته بأوقات عصيبة. كان والده يخبره دائماً أنه ليس أفضل منهم، وتعلّم في وقت مبكر كبت مشاعره. وكان وعده الدامع في نهاية خطاب استقالته بأن يكون أفضل زوج وأب بمثابة لمحة نادرة من الإنسانية التي يطالب بها الناخبون قادتهم الآن. لكن الأوان كان قد فات.
وبينما كان يقف خلف المنصة خارج باب مقر رئاسة الوزراء (10 داونينغ ستريت)، عدد ستارمر إنجازاته: لقد أصلح حزب العمال الذي كان «مفلساً سياسياً ومالياً وأخلاقياً» ثم حقق فوزاً ساحقاً في الانتخابات العامة. وقاد البلاد نحو اقتصاد أقوى وتحسينات في قوائم انتظار هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS)، والبنية التحتية، وحقوق العمال، والهجرة. وقَبِل «برحابة صدر» بأن وقته قد انتهى، لكنه أصر على أن خلفه «سيرث بريطانيا أقوى بكثير وأكثر عدلاً من تلك التي ورثتها قبل عامين».
سيسير آندي بيرنهام في «داونينغ ستريت» الشهر المقبل واعداً بحقبة جديدة من «الأمل». لقد تعاطف الناخبون في «ميكرفيلد» مع لمسته الإنسانية وإيجابيته، لكنه سيواجه نفس المعضلات والمقايضات التي واجهها ستارمر. يقول أحد الوزراء السابقين في الحكومة: «لا يمكننا تكرار مشهد دخول رئيس وزراء من حزب العمال عبر باب رقم 10 دون جدول أعمال أو خطة؛ هذا ما حدث في المرة السابقة مع كير، وسيكون ذلك قاتلاً لحزب العمال، وبصراحة، نتيجة مروعة للبلاد». لقد أظهرت الأشهر القليلة الماضية أن السياسة باتت أكثر اضطراباً وقلقاً من أي وقت مضى؛ حيث تبدو الأحداث وكأنها تسير بسرعة مضاعفة في «وستمنستر» وخارجها. لن يكون أمام بيرنهام وقت طويل لإثبات نفسه، فبمجرد انتقاله إلى «داونينغ ستريت»، سيتحول من متمرد يسعى للتغيير إلى مسؤول في السلطة، وسرعان ما سيتحول الأمل إلى خيبة أمل إذا لم يقدم تغييراً حقيقياً وملموساً.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير