
بأمر الفيفا صار لزاما توقف كل مباريات المونديال في منتصف كل شوط، وذلك لتمكين اللاعبين من ترطيب اجوافهم الملتهبة بسبب درجات الحرارة العالية بالنسبة للكثير منهم، لان الامر يبقى نسبيا على وفق الاوطان التي قدم منها اللاعبون وهي تتوزع على كل قارات الارض .. وهذا الامر فيه ظاهر وباطن. أما الظاهر فهو ما وضحه الفيفا اعلاه، وأما الباطن كما يرى اهل المال والاستثمار ..فإنها 624 دقيقة من الراحة لللاعبين توفر 208 فرصة للمعلنين، أي ان هذه الفواصل المائية ستدر أرباحا بملايين الدولارات وهو سياق معمول به في كل الرياضات الامريكية او تنظيم البطولات الرياضية في امريكا .. الامر إذن مرتبط بحقوق البث التلفزيوني ومالحق به في زمن الثورة التكنولوجية في مجال الاعلام والتواصل ..
لقد مرت حقوق البث التلفزيوني للأحداث الرياضية بثلاث مراحل منذ أن بدأت أو صارت هناك علاقة بين الرياضة والتلفزيون، وهذه المراحل هي:
- مرحلة سيادة التلفزيون: تمتد هذه المرحلة من ثلاثينيات حتى منتصف سبعينيات القرن العشرين، يومها كان منظمو البطولات الرياضية يبحثون عن الانتشار الواسع للرياضة عن طريق التلفزيون ولم يكونوا غالباً يطالبون بحقوق البث، وحتى إن وجدت مثل هذه الحقوق فكانت رمزية لا أكثر.
- مرحلة الدفاع عن المصالح: بدأت هذه المرحلة من منتصف سبعينيات القرن العشرين وامتدت حتى نهاية الثمانينيات منه، وكانت ابرز سمات هذه المرحلة ظهور النزعة التجارية لدى الاتحادات الرياضية فأصبحت تطالب القنوات التلفزيونية بدفع حقوق البث بقيمة أعلى مقارنة بما كانت تدفعه في السابق، وشهدت المرحلة حالة من التكتَّل بين مكونات كل طرف من طرفي المعادلة، فأهل الرياضة التفوا حول الاتحادات واللجان الوطنية والدولية الرياضية، في حين تجمعت القنوات التلفزيونية في اتحادات مهنية، وأصبح كل من الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) واللجنة الاولمبية الدولية في طليعة المنظمات التي تسهر على ضمان حقوق المنضوين تحت لوائهما من اتحادات ولجان وطنية في كل ما يتعلق بعائدات حقوق النقل التلفزيوني، وعلى الجانب الآخر ساعد تكتل القنوات التلفزيونية على أن تظل حقوق البث في حدود معقولة.
-مرحلة السوق المفتوحة: بدأت هذه المرحلة في مطلع تسعينيات القرن الماضي الذي شهد انفجار البث التلفزيوني عبر الأقمار الصناعية وازدياد عدد القنوات الخاصة، ولا سيما المتخصصة منها في الرياضة، مما أوقد نار التنافس بين القنوات في مجال حقوق البث التلفزيوني للأحداث الرياضية، وكانت نتيجة هذا التنافس ارتفاعاً هائلاً في مبالغ حقوق بث الأحداث الرياضية لا سيما الكبرى منها مثل بطولة كأس العالم بكرة القدم، ومن سمات هذه المرحلة تراجع دور الاتحادات الإذاعية في مجال الحصول على حقوق البث..
وامتدادا لهذه المرحلة، ومع قوة الاعلام الالكتروني بكل مسمياته، اصبح الحصول على حقوق البث عملية معقدة لاسيما مع الفيفا الذي لا يترك شاردة كروية او واردة إلا وضع لها سعرا فقائمة مصادر دخله اكبر من ان يوضحها مقال، وما نراه في مونديال 2026 لا يخرج عن هذا السياق، وإن سوقه الفيفا تحت مظلة مسوغات فنية لم يقتنع بها الكثيرون منهم ليس آخرهم المدرب الفرنسي ديشامب، على سبيل المثال تصريح مارسيلو لييلسا المدير الفني لمنتخب اوروجواي، واصفا هذا التغيير في هوية اللعبة “ هذا التغيير الثقافي لا يضيف شيئا لكرة القدم بل ينقص الكثير .. اقول ان كرة القدم قبل هذا القرار كانت لها سمة مميزة. أما الآن فلها سمة اخرى .. الناس يحبون اللعبة بسبب سماتها المميزة .”
ونقول إن الفيفا قد يتراجع عن هذه “ الفرية “ بعد المونديال، فهو مونديال امريكا يا حبيبي !!