
كان عنوان هذا المقال قبل أن أدخل بالتفاصيل هو “من سرق النعال”؟ فقد تذكرت عند بدء حملة الإعتقالات للمتهمين بالفساد قصة المثل المعروف الذي يتلخص بأن مصليا عندما خرج من المسجد وجد “نعاله” مسروقا بينما الجميع كان يصلي معه فتساءل مع نفسه طالما كلهم بالمسجد فمن سرق النعال ؟ لكن عندما بدأت أدخل في تفاصيل القضية, قضية السرقات والأموال المنهوبة والفرهود تذكرت كيف تداول السياسيون العراقيون مفردة “النزاهة طوال العقدين الماضيين”. استطيع القول أن أكثر مفردة تم تداولها على السنتهم هي مفردة “النزاهة” , وأكثر مفردة شكلنا لجانا وهيئات ومجالس لها وعنها وبسببها هي “النزاهة” , لكنها في المقابل أكثر مفردة أهينت وظلمت هي هذه النزاهة. هذا من حيث المبدأ بل البديهية التي لا يختلف بشأنها إثنان ولا يتناطح فيها عنزان . المواطنون العراقيون العاديون كانوا على “كولة” الشاعر المرحوم رحيم المالكي في رسالته الشهيرة الى الدكتورة “حسنة ملص” يعرفون “منو الباكنة ومنو اللي يوميله”. ويضيف المالكي رحيم “ ياهو المنچ أشرف خاطر اشكيله ... دليني يا حسنه وباچـــر أمشيله”.
توقف قلب المرحوم المالكي قبل أن “يمشي له”, والإ لو بقي حيا الى اليوم وهو يرى بأم عينيه هذا المليارات التي تتطاير وتتطافر بين البيوت المحصنة والمزارع المفتوحة لما إكتفى بمراسلة الدكتورة حسنة ملص بل لكان وجه نداء إستغاثة لها لأنه ثبت بالدليل القاطع والعملي إنها أكثر “شرفا” من كثيرين وكثيرات قرعوا رؤوسنا بالنزاهة والشرف. لست بصدد ظلم أحد ممن تم إعتقالهم أو سوف يعتقلون, فالمتهم طبقا للقاعدة القانونية برئ حتى تثبت إدانته. هذا صحيح لكن منذ أن سمعنا “دوي الإعتقالات” في الخضراء طبقا لتعبير الزميل عبد الهادي مهودر في تغريدة له رأينا بام أعيننا وأعين المرحومة حسنة ملص التي سوف يأكلها “الدود” الملايين بالدولارات والمليارات بالدنانير وهي “مشمرة” هنا وهناك فضلا عن العقارات التي وصلت حتى الى جزيرة برمودا وجزر الواق واق.
ماذا يعني ذلك؟ يعني إننا “مبيوقون” مسروقون, مفرهدون وفي وضح النهار والدليل ليس مثلما يقول عادل إمام “الولولو” في “شاهد مشفش حاجة” بل بالجرم المشهود والأدلة القاطعة والفيديوات المصورة والإعترافات التي بدأت تتوالى طبقا للتحقيقات الجارية. الأمر لم يعد مجرد سرقات وحالات فساد يمكن أن تحصل في كل الدنيا. الأمر في العراق للأسف بات يتخطى ذلك لأن الفساد لم يعد فساد أفراد بل فساد منظومة. وهنا الطامة الكبرى, فالفساد الفردي يمكن أن يعالج فرديا أيضا وبطرق العلانية القانونية وبالأدلة القاطعة. لكن الفساد عندما يتحول الى منظومة يصبح علاجه مكلفا وربما قاسيا وينطوي على تضحيات لأن منظومة الفاسدين ليست سهلة والأهم إنها عابرة للطوائف والأعراق والأديان. ففي العراق اليوم كل شيء محاصصة الإ الفساد فهو شمولي يتخادم فيه الجميع مع الجميع. و”الخمط” عابر للطائفة والدين والعرق .. و أحسن من الشرف مفيش.