
حين يُذكر التأريخ الثقافي العراقي الحديث، تبرز أسماء لم تكتفِ بالإبداع في حقل واحد، بل جعلت من حياتها مشروعاً مفتوحاً لحفظ ذاكرة الوطن ورموزه الفكرية والأدبية. ومن بين هذه الأسماء يبرز الراحل حميد المطبعي بوصفه واحداً من أبرز الموسوعيين والباحثين الذين نذروا أعمارهم لتوثيق الحياة الثقافية العراقية، حتى غدا اسمه مرادفاً للبحث الدقيق، والذاكرة المتقدة، والإصرار على إنجاز مشاريع معرفية ضخمة في ظروف لم تكن مواتية للبحث والتأليف.
لم يكن المطبعي مجرد كاتب أو صحفي أو مؤرخ، بل كان مشروعاً ثقافياً متكاملاً، استطاع أن يحول اهتمامه بالإنسان العراقي إلى موسوعات وكتب ومقالات أصبحت اليوم مراجع لا يمكن تجاوزها عند دراسة الحركة الفكرية والأدبية في العراق. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن الرجل الذي حفظ سير آلاف الشخصيات العراقية، انتهى به المطاف إلى مواجهة المرض والعزلة وقسوة الإهمال، وكأن الذاكرة التي حفظها للوطن لم تجد من يحفظ صاحبها في سنواته الأخيرة.
هذه ليست سيرة رجل فحسب، وإنما قراءة في تجربة مثقف آمن بأن الكتابة مسؤولية وطنية، وأن التوثيق فعل مقاومة ضد النسيان، فكرّس أكثر من نصف قرن من عمره لبناء أرشيف ثقافي سيبقى شاهداً على مرحلة كاملة من تاريخ العراق الحديث.
من أزقة النجف... ولادة مشروع ثقافي
في مدينة النجف، المدينة التي احتضنت عبر قرون طويلة مدارس العلم والأدب والفكر، ولد حميد المطبعي عام 1942، ليجد نفسه منذ سنواته الأولى محاطاً ببيئة ثقافية غنية بالعلماء والفقهاء والأدباء والمفكرين.
كانت النجف بالنسبة إليه أكثر من مدينة؛ كانت مدرسة مفتوحة كوّنت شخصيته ومنحته شغف المعرفة والبحث.
في معاهدها العلمية درس الفلسفة وعلوم اللغة العربية، ونهل من أساتذتها الكبار، وكان من أبرز من تأثر بهم الشيخ عبد الكريم الزنجاني، صاحب الدعوة إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية. ومن تلك المرحلة تبلورت لديه قيم التسامح والانفتاح الفكري واحترام الآخر، وهي القيم التي سترافقه في مختلف مراحل حياته الفكرية.
ولم يكتفِ بالدراسة التقليدية، بل انفتح مبكراً على التيارات الفكرية الحديثة التي كانت تشغل العالم في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. فتعرّف إلى الفلسفة الوجودية، واطلع على كتابات كبار مفكريها، وتابع الحركات القومية واليسارية، باحثاً عن رؤية فكرية تجمع بين الحرية والعدالة والهوية.
هذا التنوع في مصادر المعرفة منح المطبعي شخصية فكرية مستقلة، بعيدة عن التعصب والانغلاق، وجعل اهتمامه منصباً على الإنسان بوصفه محوراً للحياة والثقافة.
البدايات الفكرية... شغف مبكر
كان حميد المطبعي من أولئك الذين لم ينتظروا سنوات النضج ليبدأوا الكتابة، بل انطلق في سن مبكرة إلى معالجة الأسئلة الفكرية الكبرى التي كانت تشغل جيله.
كتب عام 1959 رسالة بعنوان الفجر الصادق، تناول فيها جدلية الآخر وقضايا الفكر الإنساني، ثم أتبعها برسالة أخرى عن القومية العربية عام 1960، في محاولة لفهم التحولات السياسية والفكرية التي كانت تعصف بالمنطقة.
كانت تلك المحاولات المبكرة تعكس شخصية باحث لا يكتفي بتلقي الأفكار، وإنما يسعى إلى مناقشتها وتحليلها وصياغة رؤيته الخاصة. ولهذا ظل طوال حياته يرفض الأحكام الجاهزة، ويؤمن بأن المعرفة رحلة لا تنتهي.
مجلة الكلمة... نافذة جيل كامل
إذا كان لكل جيل منبره الثقافي، فإن مجلة الكلمة كانت منبر جيل كامل من الأدباء العراقيين.
أسسها حميد المطبعي في أواخر ستينيات القرن الماضي مع مجموعة من المثقفين الشباب، وفي مقدمتهم كامل الشرقي، وموسى كريدي، وحميد سعيد، ورضا الأعرجي وآخرون، لتصبح خلال سنوات قليلة واحدة من أهم المجلات الثقافية العراقية.
لم تكن الكلمة مجرد مجلة أدبية، بل كانت مساحة للحوار والتجديد واكتشاف الأصوات الجديدة، واستطاعت أن تستقطب أبرز الشعراء والقصاصين والنقاد، حتى أصبح كثير من الباحثين يطلقون على تلك المرحلة اسم جيل الكلمة
ورغم تواضع الإمكانات المادية والإخراج الفني آنذاك، فإن المجلة نجحت في فرض حضورها داخل المشهد الثقافي العراقي، بفضل جرأة موضوعاتها وعمق معالجاتها وانفتاحها على مختلف الاتجاهات الفكرية.
لقد أدرك المطبعي منذ وقت مبكر أن المجلات الثقافية ليست مجرد وسيلة للنشر، وإنما هي مؤسسة تصنع الوعي وتكتشف المواهب وتؤسس للحوار، ولذلك منح الكلمة جهداً استثنائياً جعلها علامة بارزة في تاريخ الصحافة الثقافية العراقية.
الصحافة... مدرسة يومية للمعرفة
لم يتوقف نشاط حميد المطبعي عند إصدار المجلات، بل خاض تجربة الصحافة اليومية والمهنية، فتولى رئاسة تحرير صحف عدة، من بينها العامل الاشتراكي و النقابي، وكتب آلاف المقالات التي تنوعت بين الفكر والأدب والسياسة والثقافة والتاريخ.
وتشير الإحصاءات إلى أن رصيده الصحفي تجاوز خمسة آلاف مقالة، وهو رقم يعكس حجم الجهد الذي بذله طوال عقود متواصلة.
كانت مقالاته تمتاز بالبحث الدقيق واللغة الرصينة والقدرة على الربط بين الحدث الآني وجذوره التاريخية، ولذلك لم تكن كتاباته استهلاكية أو مرتبطة بزمنها فقط، بل بقي كثير منها صالحاً للقراءة حتى اليوم.
الموسوعي الذي حفظ ذاكرة العراق
غير أن الإنجاز الأكبر في حياة حميد المطبعي لم يكن في الصحافة أو المقالة، وإنما في مشروعه الموسوعي العملاق.
فقد آمن بأن الأمم لا تحفظ ذاكرتها إلا بالتوثيق، وأن الأجيال المقبلة تحتاج إلى مراجع دقيقة تعرفها برجالات الفكر والأدب والعلم والسياسة.
ومن هنا بدأ العمل على مشروع موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين، التي صدرت في ثلاثة مجلدات، وشكلت واحدة من أهم المراجع العراقية في توثيق الشخصيات الوطنية والثقافية.
ولم يكن إنجاز هذه الموسوعة عملاً سهلاً؛ فقد احتاج إلى سنوات طويلة من البحث والتنقيب والمراجعة والتدقيق، اعتمد خلالها على شبكة واسعة من المصادر والوثائق والمقابلات، فضلاً عن ذاكرته الاستثنائية التي كانت تحفظ تفاصيل دقيقة عن الشخصيات والأحداث.
ثم واصل مشروعه الأكبر بإصدار موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين في أكثر من عشرين جزءاً، ليقدم للأجيال عملاً توثيقياً غير مسبوق من حيث الحجم والشمول.
لقد تعامل المطبعي مع الموسوعة بوصفها رسالة وطنية، لا مشروعاً شخصياً، ولذلك ظل يعمل عليها حتى في أصعب الظروف، مؤمناً بأن المعرفة الحقيقية لا تُبنى إلا بالصبر والمثابرة والإخلاص.
مؤلفاته... مشروع معرفي لا يعرف التوقف
لم يكن حميد المطبعي من أولئك الكتّاب الذين يكتفون بكتاب أو كتابين ثم يستريحون إلى ما أنجزوه، بل كان ينظر إلى التأليف باعتباره مشروعاً مستمراً لا يتوقف ما دام العقل قادراً على البحث واليد قادرة على الكتابة. ولهذا جاءت مؤلفاته متنوعة بين الفكر والتاريخ والسير والتراث والرحلات والنقد الثقافي، حتى تجاوزت الثلاثين كتاباً، فضلاً عن آلاف المقالات والدراسات.
ومن أبرز ما أنجزه كتابه المرجعي موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين التي أصبحت واحدة من أهم المراجع العراقية في توثيق الشخصيات العلمية والأدبية والسياسية والفنية. كما واصل مشروعه التوثيقي بإصدار موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين في أكثر من عشرين جزءاً، وهو عمل يكشف حجم الجهد الذي بذله في تتبع سير الشخصيات العراقية وتوثيق منجزها.
ولم يقتصر اهتمامه على الموسوعات، بل أصدر كتباً تناولت سير شخصيات عراقية بارزة، منها العلامة محمد بهجت الأثري، والمؤرخ صالح أحمد العلي، وضياء شيت خطاب، وعبد الحميد العلوجي، والدكتور جميل الملائكة، والدكتور أكرم نشأت إبراهيم، والدكتور عبد العزيز البسام، فضلاً عن كتبه في الفكر والتاريخ والرحلات.
إن قراءة قائمة مؤلفاته تكشف أن الرجل لم يكن يبحث عن الشهرة بقدر ما كان يسعى إلى سد فراغ معرفي في المكتبة العراقية، ولذلك جاءت معظم كتبه ذات طابع توثيقي وتحليلي، وأصبحت مراجع يعتمد عليها الباحثون والدارسون حتى اليوم. ذاكرة استثنائية صنعت مرجعاً وطنياً
ما يميز حميد المطبعي عن كثير من الباحثين أنه لم يكن ناقلاً للمعلومات، بل كان شاهداً على مرحلة كاملة من الحياة الثقافية العراقية.
امتلك ذاكرة نادرة استطاعت أن تحتفظ بأسماء الأشخاص وتواريخ الأحداث والوقائع الثقافية وتفاصيلها الدقيقة، وهو ما انعكس بوضوح في مؤلفاته، إذ لم يكن يكتفي بسرد المعلومات، وإنما يربطها بسياقاتها التاريخية والاجتماعية والفكرية، لتتحول السيرة الشخصية إلى قراءة في تاريخ العراق الثقافي.
ولعل هذا ما منح أعماله قيمة مضاعفة، فهي ليست مجرد تراجم للأعلام، وإنما وثائق تؤرخ لمراحل كاملة من تطور الفكر والأدب والصحافة والثقافة العراقية.
الإنسان قبل الكاتب
ورغم هيبته العلمية ومنزلته الثقافية، بقي حميد المطبعي قريباً من الناس، محباً للنكتة، سريع البديهة، لا تفارقه الابتسامة حتى في أشد الظروف قسوة.
عرفه أصدقاؤه إنساناً ودوداً، واسع الصدر، محباً للحوار، لا يشعر من يجالسه بفارق العمر أو المكانة.
وقد بقيت هذه الروح ترافقه حتى في سنوات مرضه الأخيرة. وأتذكر زيارتي الأخيرة له في منزله بحي الإعلام في بغداد، وقد أقعده المرض عن الحركة، لكنه استقبلني بالابتسامة نفسها التي عرفتها منذ عقود، وبروح الدعابة ذاتها. وما إن جلست حتى بادرني بسؤال لا يخلو من مشاكسة الأصدقاء: من الأكثر شهرة... أنت أم كامل؟
ضحكنا طويلاً، وكان يدرك أن هذا السؤال ليس سوى مدخل لساعة من الأحاديث الممتعة التي لم يشعر خلالها أحدنا بأن المرض يجلس بيننا.
كان يصر على أن ينتصر الإنسان في داخله على الألم، حتى وإن كان الجسد قد بدأ يخسر معركته.
حين أصبح الموسوعي أسير فراشه
لكن الزمن لم يكن رحيماً بهذا الرجل الذي أفنى عمره في خدمة الثقافة العراقية.فبعد سنوات طويلة من العمل المتواصل، بدأت الأمراض تنهش جسده، حتى فقد القدرة على الحركة، وأصبح أسيراً لفراشه، قبل أن تنقله عائلته إلى مدينته النجف ليقضي فيها ما تبقى من عمره.
وهناك، بعيداً عن صخب الوسط الثقافي الذي كان أحد أبرز صانعيه، عاش أياماً قاسية مع المرض، ولم يعد قادراً على مغادرة منزله أو المشاركة في النشاطات الفكرية التي طالما كانت جزءاً من حياته اليومية.وكان المشهد مؤلماً لكل من عرفه؛ ذلك الباحث الذي ظل سنوات طويلة يتنقل بين المكتبات والوثائق والأرشيفات، أصبح عاجزاً عن الوصول إلى مكتبته التي صنعت مجده العلمي.
حين يخذل الوطن أبناءه
من أكثر ما يؤلم في سيرة حميد المطبعي أن معاناته لم تكن صحية فحسب، بل كانت أيضاً معاناة مع الإهمال.
فالرجل الذي وثّق حياة المئات من أعلام العراق، وجد نفسه في نهاية المطاف يواجه المرض بإمكانات محدودة، وسط غياب مؤسسات كان يفترض بها أن تقف إلى جانبه. لقد أثار وضعه الصحي استياء عدد كبير من المثقفين والكتّاب، الذين رأوا أن ما تعرض له لا يليق بقامة ثقافية بحجمه، ولا يعكس قيمة ما قدمه للمكتبة العراقية.ولم تكن هذه القضية مرتبطة بشخص حميد المطبعي وحده، وإنما كشفت عن أزمة أعمق تتمثل في غياب منظومة حقيقية لرعاية المبدعين بعد سنوات عطائهم، وهي أزمة تكررت مع أسماء عراقية كبيرة قدمت للوطن الكثير، لكنها وجدت نفسها وحيدة في مواجهة المرض.