
في سابقة من نوعها ، اجتمع السفير الأمريكي الدائم لدى الأمم المتحدة السيد مايك والتر بوفد قيادي عن حركة (صحراويون من أجل السلام) ، وهي حركة تضم مجموعة كبيرة من المواطنين الصحراويين المنتمين، ولادة ومنشأ، إلى منطقة الصحراء المغربية المعنية بالنزاع المفتعل حولها بين المغرب و جبهة البوليساريو الانفصالية، وهي تنازع قيادة جبهة البوليساريو فيما يتعلق بشرعية تمثيلية سكان هذه المنطقة، باعتبار أن التمثيلية لا تكتسب بطرق غير ديمقراطية، وباستمرار نفس الأشخاص في قيادتها منذ عقود من الزمن ، وكثير منهم خلد في منصبه منذ أكثر من نصف قرن. كما أنها حركة معارضة بقوة لطريقة تدبير القيادة الخالدة للجبهة التي عمقت الأزمة طيلة خمسين سنة مضت، مما زاد في معاناة السكان ، ولسياسة القمع و الاضطهاد السائدة في مخيمات لحمادة الخاضعة لسيطرة قيادة البوليساريو الخالدة ، حيث لا يسمح نهائيا بالرأي المخالف، وكل شخص عبر عما يخالف سياسة الأمر الواقع لقى مصيرا مجهولا، كما هو حال العديد من الأسماء، وهذا ما يبرر وجود هذه الحركة من أبناء المنطقة بعيدا عن هذه المخيمات .
اللقاء الذي جمع مسؤولا دبلوماسيا أمريكيا ساميا مكلفا بمتابعة ملف النزاع المفتعل في الصحراء المغربية أمام الأمم المتحدة بالوفد القيادي عن حركة ( صحراويون من أجل السلام )، يحمل دلالات كبيرة جدا تؤشر على استمرار التحولات في مسار هذا الملف المعقد .
فلأول مرة تلتقي الإدارة الأمريكية بشخص سفيرها في الأمم المتحدة بشخصيات صحراوية بارزة من خارج قيادة جبهة البوليساريو الانفصالية التي ، كانت و لا تزال ، تنفرد حد الاحتكار بجميع الأطراف الخارجية من منظمات و مسؤولين حكوميين . وهذا يعني، في قراءة أولية ، بداية نهاية احتكار تمثيلية المواطنين الصحراويين ، التي كانت تقتصر فقط على الصحراويين المقيمين في مخيمات لحمادة الخاضعة لسيطرة جبهة البوليساريو دون غيرهم من باقي المواطنين الصحراويين الموجودين خارج هذه المخيمات، سواء داخل منطقة الصحراء المغربية والذين يعدون بمئات الآلاف، أو غيرهم من صحراويي الشتات الموجودين في دول الجوار أو في المنفى. وبذلك تنصت الإدارة الأمريكية لأول مرة لصوت مخالف فيما يتعلق بموقف المواطنين الصحراويين المعنيين بصفة مباشرة بالنزاع المفتعل، وتستمع لأول مرة لسردية مختلفة عما عهدته طوال عقود من الزمان. سردية تستند إلى رؤية مخالفة، تتجه بالنزاع نحو تحقيق السلام من خلال آليات اتفاق سياسي يحفظ وجه جميع الأطراف، ويضمن للمواطنين عيشا مغايرا يتأسس على الاستقرار و الأمن والكرامة .
والواضح أن هذا اللقاء غير المسبوق في طبيعته يندرج في إطار الجهود الكبيرة التي تبذلها الإدارة الأمريكية بهدف ضمان تحقيق تسوية سياسية عادلة ونهائية ومقبولة من طرف جميع الأطراف في إطار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 الذي أقر بأن خطة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية هي الأنسب لإيجاد حل نهائي للنزاع المفتعل.
طبعا، لم تبدِ قيادة جبهة البوليساريو الانفصالية أي ردة فعل تجاه ما أقدمت عليه الإدارة الأمريكية ، وهي تعاين حبل التمثيلية ينفلت من بين أياديها، وأن دولاً أخرى ستتخذ ما أقدمت عليه الإدارة الأمريكية سابقة ومرجعًا، ولن تتردد في الاقتداء به .