رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
من إنجاز التأهل إلى تحدي البناء بالإصلاح والتطوير


المشاهدات 1164
تاريخ الإضافة 2026/07/04 - 11:40 PM
آخر تحديث 2026/07/05 - 8:52 PM

أسدل الستار على مشاركة المنتخب العراقي في نهائيات كأس العالم 2026، لكن الحقيقة أن البطولة انتهت للاعبين، ولم تنتهِ بعد بالنسبة للقائمين على إدارة الكرة العراقية. فالاختبار الحقيقي يبدأ الآن، لأن الأمم الكروية لا تُقاس بنتيجة مباراة أو بطولة، وإنما بطريقة تعاملها مع النجاح والإخفاق، وقدرتها على تحويل التجارب إلى مشاريع تطوير حقيقية.
الخروج من الدور الأول بثلاث خسارات لا يعني أن تجربة العراق في كأس العالم كانت فاشلة بالمطلق، كما أن مجرد التأهل لا ينبغي أن يدفعنا إلى الاكتفاء بالاحتفال بما تحقق. فالنجاح الحقيقي يبدأ بعد صافرة النهاية، عندما تُفتح ملفات التقييم بكل شجاعة وشفافية، بعيدًا عن المجاملات والانفعالات، وبعيدًا عن ثقافة البحث عن شماعة لتعليق أسباب الإخفاق.
ما يحتاجه الاتحاد العراقي لكرة القدم اليوم ليس مؤتمرات صحفية ولا بيانات تبريرية، بل مراجعة علمية شاملة لكل تفاصيل المرحلة الماضية، يشارك فيها أصحاب الخبرة والكفاءة من الإداريين والمدربين والمحللين، لتشخيص مكامن القوة وتعزيزها ، والكشف عن مواطن الخلل ومعالجتها بخطط واضحة قابلة للتنفيذ.
في الدول المتقدمة رياضيًا، لا تُغلق ملفات البطولات بانتهائها، بل تبدأ بعدها مباشرة مرحلة التقييم والتخطيط. وتنتهي دورة عمل لتبدأ أخرى، وقد تتغير إدارات تنفيذية أو لجان فنية إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، لأن الهدف ليس المحافظة على المناصب، وإنما المحافظة على مسار التطور. وهذه الثقافة المؤسسية هي ما تحتاجه الرياضة العراقية عمومًا، وكرة القدم على وجه الخصوص، إذا كانت تطمح إلى المنافسة الحقيقية.
لقد أثبتت مباريات العراق في المونديال أن الفارق مع المنتخبات الكبرى لم يكن دائمًا في المهارة أو الإمكانات، بل في التفاصيل الصغيرة. فالأخطاء الفردية، وضعف التركيز في اللحظات الحاسمة، وسوء التعامل مع بعض مجريات المباريات، كانت عوامل مباشرة في زيادة الاهداف المسجلة علينا ونتائج الخسائر الثلاث . وهذه الجوانب ليست مستحيلة العلاج، لكنها تحتاج إلى عمل احترافي طويل الأمد، يبدأ من إعداد اللاعب ذهنيًا ونفسيًا، ولا ينتهي عند الجوانب الفنية والبدنية.
ومن الإنصاف أيضًا الاعتراف بأن المنتخب العراقي شهد تحولًا ملحوظًا بعد تسلم المدرب غراهام أرنولد قيادته ، فقبل حضوره، لم يكن كثيرون يتوقعون أن يبلغ العراق نهائيات كأس العالم، لكن التغيير الذي أحدثه في الانضباط التكتيكي للاعبين ، وشخصية الفريق، وطريقة اللعب، رفع سقف الطموحات، وجعل المنتخب يبدو أكثر تنظيمًا وثقة داخل الملعب ، وهذا التطور لا ينبغي التفريط به، لأن الاستقرار الفني يمثل أحد أهم عناصر النجاح في كرة القدم الحديثة.
 وفي المقابل، فإن التجارب السابقة أثبتت أن كثرة التغييرات، وغياب الرؤية الفنية المستقرة، والاعتماد على الاجتهادات الشخصية، لا يمكن أن تصنع منتخبًا قادرًا على المنافسة المستدامة. لذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب الحفاظ على الاستقرار الفني، مع إخضاع جميع القرارات للتقييم المستمر، وفق معايير مهنية واضحة، بعيدًا عن الضغوط الإعلامية أو التأثيرات الشخصية.
 كما أن ملف اختيار اللاعبين يجب أن يكون من أكثر الملفات شفافية. فالعراق لا يعاني من ندرة المواهب، بل يمتلك قاعدة واسعة من اللاعبين داخل البلاد وخارجها، لكن هذه المواهب تحتاج إلى منظومة عادلة تمنح الفرصة للأفضل والأكثر جاهزية، لا للأقرب أو الأكثر نفوذًا. فالمنتخب الوطني يجب أن يبقى عنوانًا للكفاءة وحدها، لأن أي تنازل عن هذا المبدأ ستكون كلفته باهظة على مستقبل الكرة العراقية.
 إن المطلوب اليوم ليس تغييرًا من أجل التغيير، ولا الدفاع عن الأخطاء بدافع الحفاظ على الأشخاص، بل ترسيخ ثقافة المراجعة والمحاسبة والتخطيط. فالنجاحات لا تتحقق بالصدفة، ولا تستمر بالعواطف، وإنما تُبنى بالمؤسسات، والعقول، والعمل المتواصل.
 لقد منحنا مونديال 2026 درسًا مهمًا؛ وهو أن الوصول إلى القمة إنجاز كبير، لكن البقاء فيها أصعب بكثير. وإذا أحسن الاتحاد العراقي لكرة القدم قراءة هذا الدرس، واستثمر ما تحقق بروح الإصلاح والتطوير، فإن المشاركة المقبلة في اي بطولة لن تكون مجرد حضورًا شرفيًا، بل قد تكون بداية مرحلة جديدة تعيد للكرة العراقية مكانتها العربية والآسيوية، وتمنحها القدرة على منافسة كبار العالم بثقة واستحقاق.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير