
ليست الحرب على الفساد معركة قانونية وإدارية فحسب، بل هي أيضاً معركة على الوعي العام، وعلى حق المواطن في الوصول إلى المعلومة الصحيحة، فكلما شرعت الدولة بخطوات لملاحقة المتهمين بالفساد واستغلال النفوذ، ظهرت في المقابل حملات موازية على مواقع التواصل الاجتماعي، لا تعتمد الوقائع والأدلة، وإنما تقوم على المبالغات، والشائعات، والأخبار المضللة، والصور المفبركة، حتى بات المتلقي يجد نفسه أمام سيل من المعلومات المتناقضة، يصعب عليه التمييز بين الصحيح والمختلق.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لم تعد تقتصر على نشر صورة قديمة أو خبر غير دقيق، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً مع الانتشار الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي وفرت أدوات متقدمة لإنتاج صور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية تبدو حقيقية إلى حد كبير، وهي في الواقع مصطنعة بالكامل. ويُعرف هذا النوع من التزييف باسم التزييف العميق (Deepfake)، وهو استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتوليد أو تعديل صورة شخص أو صوته أو حركاته بحيث يظهر وكأنه قال أو فعل شيئاً لم يحدث إطلاقاً، والخطورة هنا أن المتلقي العادي يصعب عليه اكتشاف زيفها، فتنتشر بسرعة هائلة قبل أن تتاح فرصة التحقق منها. وقد شهدنا خلال الأيام الماضية تداول صور لا علاقة لها بالأحداث الجارية، أُخذ بعضها من دول أخرى أو من سنوات سابقة، ثم أُعيد تقديمها على أنها توثق وقائع جديدة. كما انتشرت تسجيلات صوتية ومقاطع مصورة مفبركة، وأخبار نسبت إلى جهات رسمية لم تصدر عنها أصلاً، فضلاً عن منشورات اتخذت من السخرية والتنمر وسيلة لتشويه الأشخاص أو المؤسسات، في تجاوز واضح لأبسط القيم الأخلاقية والمهنية.
ومن المؤسف أن بعض الصفحات والمنصات الإعلامية أصبحت تتسابق إلى نشر كل ما يحقق نسب مشاهدة مرتفعة، دون التحقق من المصدر أو مراجعة صحة المحتوى، وكأن السبق الصحفي أصبح أهم من الصدق الصحفي، والأسوأ من ذلك أن بعض المستخدمين يعيدون نشر هذه المواد بحسن نية، فيتحولون من دون قصد إلى حلقات في سلسلة التضليل. ومن البديهي أن المسؤولية لا تقع على مستخدمي وسائل التواصل وحدهم، بل إن المؤسسات الرسمية مطالبة أيضاً بأداء دور أكثر فاعلية في هذا المجال، فكلما تأخر صدور البيانات الرسمية الدقيقة، ازدادت مساحة الشائعة، ووجدت الأخبار الكاذبة بيئة مناسبة للنمو والانتشار.
لعل أهم ما نحتاج إليه اليوم هو ترسيخ ثقافة التحقق قبل النشر، وعدم الانجرار وراء كل صورة أو تسجيل أو خبر يثير الانفعال، فالحقيقة لا تُقاس بعدد المشاركات والإعجابات، وإنما بالدليل والمصدر الموثوق، ومن حق المجتمع أن يعرف الحقيقة كاملة، ومن واجبه أيضاً ألا يكون شريكاً، ولو من غير قصد، في نشر الكذب. فمحاربة الفساد لا تنجح بالقضاء والقوانين والأجهزة الرقابية وحدها، وإنما تحتاج كذلك إلى بيئة إعلامية مسؤولة، وإلى مواطن واعٍ يميز بين الخبر والمزيف، وبين النقد المشروع وحملات التضليل.
في زمن الذكاء الاصطناعي، والتزييف العميق، أصبحت حماية الحقيقة مسؤولية جماعية، لأنها الخط الفاصل بين مجتمع تحكمه الحقائق، وآخر تقوده الأكاذيب.