
حين يُستعاد تاريخ السينما والدراما التلفزيونية في العراق يبرز اسم المخرج كارلو هارتيون بوصفه واحداً من أهم الرواد الذين أسهموا في صناعة لغة بصرية جديدة ونقلوا الكاميرا من حدود الأستوديو المغلق إلى فضاءات الحياة العراقية بكل تفاصيلها. لم يكن مجرد مخرج يمتلك أدواته الفنية بل كان صاحب رؤية سبقت زمنها وأسهمت في تأسيس مرحلة جديدة من تاريخ الإنتاج التلفزيوني والسينمائي. ورغم ما قدمه من أعمال تركت أثراً عميقاً في ذاكرة الجمهور فقد رحل بعيداً عن وطنه بعد مسيرة طويلة من الإبداع تاركاً خلفه إرثاً فنياً يستحق أن يبقى حاضراً في الذاكرة الثقافية العراقية.
رحلة البحث عن الصورة
ولد كارلو هارتيون في الخامس عشر من آذار عام 1931 في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس قبل أن تعود به العائلة إلى العراق حيث وجد في بغداد البيئة التي صاغت شخصيته الفنية. التحق بمعهد الفنون الجميلة وتخرج في قسم الفنون المسرحية عام 1957 إلا أن شغفه الحقيقي كان يتجه نحو السينما التي كانت آنذاك فناً ناشئاً في العراق يحتاج إلى رواد يمتلكون المعرفة الأكاديمية والخبرة العملية.
قادته هذه الرغبة إلى الدراسة في أكاديمية السينما في بودابست بين عامي 1959 و1965 حيث تلقى تعليماً متخصصاً وعمل فترة في التلفزيون المجري، وشارك في عدد من الأفلام هناك الأمر الذي أتاح له الاحتكاك بتجارب أوروبية متقدمة انعكست لاحقاً على أسلوبه الإخراجي عندما عاد إلى العراق حاملاً أفكاراً جديدة ورؤية مختلفة للصورة السينمائية.
تأسيس مرحلة جديدة
بعد عودته إلى بغداد انضم إلى المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون وأسهم في تأسيس وحدة الإنتاج السينمائي التي مثلت خطوة مهمة في تاريخ الإنتاج العراقي. ومن خلالها أنجز أول أفلامه الوثائقية وهو فيلم النهر الثالث الذي حظي باهتمام واسع في مهرجانات دولية بينها موسكو ولايبزك ليؤكد أن السينما العراقية قادرة على الوصول إلى المحافل العالمية عندما تتوافر لها الرؤية والإمكانات.
كما أخرج الفيلم الوثائقي البديل قبل أن يتجه إلى الدراما التلفزيونية ويقدم فيلم اللوحة المأخوذ عن قصة الكاتب معاذ يوسف وبطولة الفنان جلال كامل الذي كان آنذاك وجهاً جديداً. وقد حقق الفيلم نجاحاً لافتاً ونال عنه كارلو عدداً من الجوائز الفنية ثم واصل تجربته بفيلم البندول الذي رسخ حضوره بوصفه أحد أبرز المخرجين العراقيين.
الكاميرا تخرج إلى الشارع للمرة الأولى
يحسب لكارلو هارتيون أنه كان من أوائل المخرجين الذين أخرجوا الكاميرا التلفزيونية من الأستوديو إلى مواقع التصوير الخارجية في وقت كانت فيه التقنيات المتاحة محدودة وكانت مشكلات تسجيل الصوت والإضاءة تمثل تحدياً كبيراً أمام العاملين في الدراما.
لم يكن هذا القرار مجرد مغامرة تقنية بل كان تحولاً فنياً منح الأعمال التلفزيونية صدقية أكبر وجعل المشاهد يرى البيئة العراقية الحقيقية بكل تفاصيلها. وهكذا أصبحت المدينة والأحياء والشوارع جزءاً من لغة السرد البصري التي اعتمدها كارلو في أعماله وهو ما جعل تجربته مختلفة عن السائد في تلك المرحلة.
بين السينما والتلفزيون
لم يتوقف عطاؤه عند الأفلام الوثائقية أو السهرات التلفزيونية بل انتقل إلى السينما الروائية وقدم فيلم شيء من القوة عن قصة الكاتب صباح عطوان وبطولة الفنانة ليلى محمد وهو عمل عده كثير من النقاد من أبرز الأفلام العراقية لما امتلكه من بناء درامي محكم ورؤية إخراجية ناضجة.
وعندما تراجعت حركة الإنتاج السينمائي بسبب الظروف الاقتصادية والسياسية لم يبتعد كارلو عن العمل الفني بل توجه إلى الدراما التلفزيونية وقدم أعمالاً مهمة مثل سيد المنزل وتبادل المراكز وشارع ستين وهي مسلسلات أثبتت قدرته على الانتقال بين الأجناس الفنية المختلفة مع الحفاظ على مستواه المهني وأسلوبه الهادئ في إدارة العمل. أما آخر أفلامه السينمائية فكان زمن الحب الذي عرض عام 1991 وضم نخبة من نجوم الفن العراقي ليكون خاتمة مرحلة سينمائية حافلة بالإبداع والتجريب.
الممثل الذي اختار الإخراج
رغم أن كارلو عرف أساساً بوصفه مخرجاً فإنه خاض تجربة التمثيل في بداياته وشارك في فيلم نبوخذ نصر عام 1962 الذي يعد أول فيلم عراقي ملون كما ظهر لاحقاً في فيلم الرأس مع المخرج فيصل الياسري. غير أن التمثيل لم يكن شغفه الحقيقي، إذ وجد نفسه خلف الكاميرا أكثر مما وجدها أمامها فكرس حياته للإخراج وصناعة الصورة.
وتكشف هذه التجربة عن شخصية فنان كان يرى أن قيمة العمل تكمن في اكتمال عناصره جميعاً لا في الظهور الشخصي ولذلك ظل وفياً لدوره كمخرج يفضل نجاح العمل على أي حضور فردي وهو ما جعله يحظى باحترام زملائه وتقدير الأجيال التي عملت معه.
هكذا تشكلت ملامح تجربة كارلو هارتيون بوصفها مشروعاً فنياً متكاملاً جمع بين الدراسة الأكاديمية والخبرة العملية والرؤية الإنسانية. لقد كان واحداً من الذين أسسوا للسينما والدراما العراقية الحديثة وفتحوا الطريق أمام أجيال جديدة من المخرجين الذين وجدوا في تجربته نموذجاً للمثابرة والإبداع والإيمان بأن الفن الحقيقي يبقى حياً مهما غاب أصحابه.
كارلو هارتيون.. مدرسة مهنية
يستعيد المخرج صباح رحيمة سنوات طويلة من العمل المشترك مع الراحل كارلو هارتيون داخل أروقة دائرة الإذاعة والتلفزيون، مؤكداً أن العلاقة التي جمعتهما لم تكن علاقة زمالة مهنية فحسب، بل كانت تجربة تعليمية وإنسانية تركت أثراً عميقاً في نفوس من عملوا معه. ويقول رحيمة إنهما عملا في القسم نفسه، وكان كارلو هارتيون مثالاً للإنسان الهادئ والمتواضع والملتزم، يتمتع بأخلاق رفيعة جعلته قريباً من الجميع، ولم يعرف عنه يوماً أنه دخل في خلاف أو تقاطع مع أي من زملائه المخرجين، بل كان متفاعلاً معهم جميعاً، حريصاً على تبادل الخبرات والعمل بروح الفريق الواحد، سواء في المناسبات الرسمية أو الاحتفالات أو أثناء تنفيذ الأعمال الفنية.
ويضيف: أن وجود كارلو في موقع التصوير كان يشكل فرصة تعليمية حقيقية للمخرجين الشباب، إذ كانوا يحرصون على حضور بروفاته وجلسات التصوير، لأنها كانت تمثل بالنسبة لهم دروساً عملية في فن الإخراج السينمائي والتلفزيوني.
ويشير إلى أن كارلو، بوصفه خريجاً لمعهد متخصص في السينما، امتلك أدواته الفنية والمعرفية بصورة متميزة، وهو ما انعكس بوضوح على أعماله التي اتسمت بالدقة والاحترافية. ويكشف رحيمة عن مشروع فني كان من المقرر أن يجمعه مع كارلو، يتمثل في تنفيذ مسلسل «قيس ولبنى» ، الذي كان من بطولة الفنان حسن حسني، غير أن ظروف العمل حالت دون إنجاز المشروع بالصيغة التي كانا يطمحان إليها. ويؤكد أن تلك التجربة كانت ستضيف عملاً مهماً إلى سجل الدراما العراقية، لما عرف عن كارلو من قدرة على إدارة المشاريع الفنية الكبيرة.
ويتابع قائلاً: إن أهم ما تعلمه من كارلو هارتيون هو احترام النص والمؤلف، فقد كان يولي النصوص عناية استثنائية، ويجلس مع الكتّاب يناقشهم في تفاصيلها، ويطرح ملاحظاته ورؤيته الإخراجية بروح الحوار والتفاهم، بعيداً عن فرض الآراء أو الانتقاص من جهد الآخرين. وكانت ملاحظاته، بحسب رحيمة، دقيقة وعميقة، تسهم في تطوير العمل والوصول به إلى أفضل صورة ممكنة، الأمر الذي جعل معظم إنتاجه يحظى بتقدير الوسط الفني والجمهور على حد سواء.
ويؤكد أن كارلو كان مخرجاً مبدعاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وأن المؤسسات الإعلامية كانت تعهد إليه بالأعمال الكبرى لما يتمتع به من كفاءة عالية وخبرة واسعة، فضلاً عن قدرته على إدارة فرق العمل باحترافية ومسؤولية، الأمر الذي جعله واحداً من أبرز الأسماء التي أسهمت في صناعة الهوية الفنية للإذاعة والتلفزيون العراقيين.
ويستذكر المخرج صباح رحيمة آخر لقاء جمعه بزميله وأستاذه عام 1995، قبيل مغادرة كارلو العراق، مؤكداً أن ذلك اللقاء ما زال عالقاً في ذاكرته، لما حمله من مشاعر إنسانية صادقة، قبل أن يبتعد هارتيون عن وطنه الذي أفنى سنوات عمره في خدمة فنه وثقافته. وبهذه الشهادة، ينضم صوت صباح رحيمة إلى عشرات الأصوات التي أجمع أصحابها على أن كارلو هارتيون لم يكن مجرد مخرج ناجح، بل كان مدرسة فنية متكاملة، وأستاذاً حقيقياً أسهم في إعداد أجيال من المخرجين والفنيين، ورسّخ قيماً مهنية وإنسانية ما زالت حاضرة في ذاكرة الوسط الثقافي العراقي. ومع رحيل كارلو هارتيون، طُويت صفحة مضيئة من صفحات الريادة في الإذاعة والتلفزيون والسينما العراقية، إلا أن إرثه الإبداعي بقي شاهداً على مسيرة فنان نذر حياته للفن، وترك أعمالاً وتجارب ستظل مرجعاً للباحثين والدارسين والمهتمين بتاريخ الحركة الفنية والإعلامية في العراق.
وتأتي هذه الشهادات التي جمعناها لتوثق جانباً مهماً من سيرة أحد أبرز رواد الفن العراقي، ولتكون مادة معرفية تحفظ ذاكرة المبدعين، وتضع بين أيدي الباحثين والمهتمين وثائق حية تسهم في إنصاف القامات التي صنعت تاريخ الإذاعة والتلفزيون والسينما في العراق.