رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
فاطمة العبيدي تحصد ما جنته ريشتها عالمياً


المشاهدات 1152
تاريخ الإضافة 2026/07/06 - 9:54 PM
آخر تحديث 2026/07/07 - 8:36 PM

من أزقة مدينة كركوك العريقة، بدأت حكاية تشكيلية عراقية متميزة صاغت من شغفها المبكر هوية فنية عابرة للحدود. ففي عام 1974 ولدت فاطمة العبيدي، لتفتح عينيها على إرث فني باذخ كان يملأ بيت عائلتها، إذ ترعرعت في كنف عمّها، الفنان الرائد محمود العبيدي، أحد أبرز مؤسسي الحركة التشكيلية في كركوك.
هذا التماس المباشر مع الجمال لم يقدها إلى مقاعد الأكاديميات الرسمية، بل دفعها إلى خوض غمار “التحدي العصامي”، فاتخذت من كتب الفن التخصصية، العملية منها والعلمية، صومعة ومختبرا، ومارست الرسم بشغف ذاتي صقلت فيه أدواتها بصبر وأناة، لتصنع لنفسها خطا تفردت به لاحقا.
لم يكن الفن لدى فاطمة العبيدي يوما مجرد ترف بصري أو برج عاجي، بل كان على الدوام فعلا اجتماعيا ووجدانيا. فمنذ انطلاقتها المنتظمة في تقديم طروحاتها التشكيلية عام 1995، وهي تسعى لترك بصمة حقيقية في مجتمعها.
وتجلى هذا المفهوم بأبهى صوره في عام 2007، عندما أقامت في مدينتها الأم، كركوك، معرضا انطباعيا ضم 35 لوحة، حيث لم تكتف ببيع المجموعة بالكامل، بل قدمت ريع المعرض كاملا لدعم المحتاجين من أبناء مدينتها، واضعة الحجر الأساس لعلاقة استثنائية مع جمهورها، قوامها الإنسانية والتكافل.
لم تنتظر العبيدي قطار الدعوات الرسمية لتنقل صوت العراق إلى الخارج، بل حزمت لوحاتها المعاصرة، وسافرت بها نحو آفاق الفن العالمي على نفقتها الخاصة. لم يكن حضورها في المحافل الدولية مجرد تمثيل رمزي أو عابر، بل كان حضورا تنافسيا فرضت فيه ريشتها بقوة، لتنال اعترافا دوليا متراكما عبّرت عنه الجوائز والألقاب الرفيعة التي حصدتها:
عام 2014 توجت في سلوفاكيا بالجائزة الأولى الذهبية في المهرجان الدولي للرسم (الدورة 21)، ومُنحت لقب “سفيرة السلام من خلال الفن” من مؤسسة الشرق للفن التابعة للاتحاد الأوروبي، في سابقة هي الأولى لفنان من خارج أوروبا والشرق الأوسط والعالم العربي.
في عام 2014 أيضا نالت في تونس درع اللمسة العصامية (الجائزة الرابعة) في الملتقى الوطني للمبدعات العصاميات في التعبير التشكيلي، ليتوج هذا الدرع رسميا تلك النشأة العصامية التي بدأت في طفولتها.
عام 2015 بإيطاليا حصدت الميدالية الذهبية الخاصة في “بينالي فلورنسا الدولي العاشر للفن المعاصر”، أحد أعرق المحافل الفنية عالميا.
العبيدي لا ترسم مشهدا لننقله إلى الذاكرة، بل تبني فضاءً لنعيشه حسيا، فالسطح عندها ليس خلفية، بل جسد، اللون ليس زخرفة، بل نبض، والحركة ليست ديكورا، بل جاذبية بصرية. من هنا، يمكن قراءة تجربتها ضمن حقل التجريد التعبيري والتجريد الغنائي، مع تقاطعات واضحة مع كبار رواد التجريد العالمي، دون أن تفقد صوتها الخاص.
تشتغل العبيدي على السطح اشتغالة النحات على الكتلة، فهي تبني أسطحا غنية بالملامس الخشنة والبارزة، باستخدام تقنيات السكين لضرب طبقات كثيفة من الطلاء فوق بعضها. النتيجة إذا ليست مجرد خشونة بصرية، بل بنية ديناميكية تتحرك بين البروز والغور، بين ما يقترب من العين وما يهرب إلى العمق الفراغي.


تابعنا على
تصميم وتطوير