
ما بات مؤكداً أن القاعدة السياسية التي حكمت العلاقة بين الولايات المتحدة والكيان لعقود بدأت تُظهر مؤشرات واضحة على التشقق من الداخل. وليس على المستوى الشعبي الأمريكي فحسب، بل ومن داخل إحدى أقوى المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، ألا وهي الكونغرس الأمريكي. فما أفرزته نتائج الانتخابات الأخيرة داخل الحزب الديمقراطي أظهر فوز مرشحين يعلنون دعمهم الصريح لحقوق الفلسطينيين. فهل نحن أمام مجرد موجة عابرة ستعود بعدها الأمور إلى سابق عهدها، فتستعيد دولة الاحتلال مكانتها التقليدية داخل المشهد السياسي الأمريكي؟ أم أننا أمام بداية تحول سياسي طويل قد يعيد رسم طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب؟
في عدد من الدوائر الانتخابية الأمريكية، وخصوصا داخل الحزب الديمقراطي، بدأ يبرز جيل سياسي جديد يتحدث بصراحة عن غزة، وينتقد الدعم غير المشروط لإسرائيل، بل ويطالب بربط المساعدات الأمريكية بملفات حقوق الإنسان.
إنها مواقف كانت حتى وقت قريب تُعد من المحرمات السياسية داخل واشنطن. أما اليوم فقد أصبحت تُطرح علنا في الحملات الانتخابية. ورغم غياب تصريحات عبرية رسمية تصف هذه النتائج بأنها أزمة، فإن التغطية الواسعة في وسائل الإعلام لديهم تعكس قلقا متزايدا من اتساع نفوذ هذا التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، وما قد يترتب عليه مستقبلاً من تغيرات في مواقف الحزب تجاه إسرائيل.
ولعل أخطر ما في المشهد أن القضية الفلسطينية، وللمرة الأولى بهذا الوضوح، لم تعد مجرد ملف في السياسة الخارجية الأمريكية، بل أصبحت جزءا من المنافسة الانتخابية الداخلية.
وفي سياق يُنظر إليه على أنه اختبار حقيقي لميزان القوى داخل الحزب الديمقراطي، حقق مرشحون مؤيدون لحقوق الفلسطينيين انتصارات على حساب مرشحين ينتمون إلى التيار التقليدي داخل الحزب، والمدعوم من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها «إيباك».
لقد برز فوز(براد لاندر) في دائرة نيويورك العاشرة بعد تغلبه على النائب الديمقراطي (دان غولدمان)، الذي حظي بدعم من دوائر مؤيدة لإسرائيل، كما فازت (داريا أفيلّا تشافيز) في الدائرة الثالثة عشرة على النائب المخضرم (أدريانو إسبايلات)، إلى جانب انتصارات أخرى لمرشحين تقدميين في نيويورك يُحسبون على التيار اليساري داخل الحزب، والذين ارتبط صعودهم أيضا بالزخم السياسي الذي رافق انتخاب (زهران ممداني).
ولا تكمن أهمية هذه النتائج في أسماء الفائزين بقدر ما تكمن في الظاهرة السياسية التي تعكسها. فهذه الانتصارات اعتُبرت، وفق كثير من المحللين، مؤشرا على تغير تدريجي في خريطة النفوذ داخل الحزب الديمقراطي، وليس مجرد نتائج انتخابية محلية معزولة.
وهنا يبرز السؤال: لماذا تثير هذه النتائج قلقا داخل الدولة العبرية، رغم أن الأغلبية داخل الحزب الديمقراطي لا تزال تؤيد استمرار العلاقة الستراتيجية معها؟
الحزب الجمهوري... وبداية تغير في المسار
اعتمدت إسرائيل تاريخيا على قاعدةٍ شبه ثابتة في واشنطن، قوامها دعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وهذه الحقيقة بقيت لعقود من المسلمات في السياسة الأمريكية. إلا أن التطورات الأخيرة توحي بأن هذه القاعدة باتت تواجه تحديات، وإن كانت لا تزال بعيدة عن الانهيار.
ولم يقتصر الجدل على الحزب الديمقراطي وحده، إذ بدأت تظهر داخل بعض الأوساط الجمهورية، وخصوصا بين أنصار تيار «أمريكا أولًا»، أصوات تتساءل عن جدوى انخراط الولايات المتحدة في صراعات الشرق الأوسط، وعن حدود الدعم غير المشروط لما يسمى (إسرائيل).
وقد عززت الحرب مع إيران هذا النقاش، إذ رأى منتقدون أن المصالح الأمريكية يجب أن تُحدد وفق أولويات واشنطن، لا وفق اعتبارات أي حليف خارجي. ورغم أن هذا التوجه لا يمثل التيار الغالب داخل الحزب الجمهوري، فإنه يعكس بداية نقاش لم يكن حاضرا بهذا الوضوح في السابق.
ومن هنا، فإن القلق الإسرائيلي لا يرتبط بخسارة انتخابية هنا أو هناك، وإنما بالاتجاه العام الذي تشير إليه هذه التطورات؛ فصعود مرشحين أكثر انتقادا للسياسات الإسرائيلية، وتغير مواقف شريحة من الرأي العام الأمريكي، خاصة بين الشباب، واحتدام الجدل داخل الحزب الديمقراطي حول طبيعة العلاقة مع إسرائيل، كلها مؤشرات تتابعها إسرائيل عن كثب.
وهنا نعود لطرح السؤال بصيغة أخرى: هل نحن أمام انهيار كامل للدعم الأمريكي لإسرائيل؟
الإجابة، حتى الآن، هو: لا.لكننا قد نكون أمام بداية إعادة تشكيل لهذا الدعم، بطريقة لم تظهر بهذا الوضوح من قبل.فالكيان لا يخشى الواقع الحالي بقدر ما يراقب الاتجاه الذي قد تسلكه السياسة الأمريكية خلال السنوات المقبلة. فالتغيرات الكبرى لا تحدث عادة دفعة واحدة، وإنما تبدأ بتحولات صغيرة، وانتصارات انتخابية متفرقة، وتبدل تدريجي في الرأي العام، قبل أن تتحول إلى واقع سياسي جديد.ويبقى السؤال الأهم… إذا كانت هذه التحولات حقيقية، فهل تستطيع القضية الفلسطينية الاستفادة منها سياسيا وإعلاميا، أم أننا سنكرر أخطاء الماضي ونعود، كما يقال (بخُفَّي حُنين)؟