رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
منزل السياب ... شعر يعود للحياة


المشاهدات 1155
تاريخ الإضافة 2026/07/09 - 1:04 AM
آخر تحديث 2026/07/09 - 8:45 PM

تتواصل الاستعدادات بوتيرة جادة لتحويل منزل الشاعر الراحل بدر شاكر السياب في قرية جيكور بمحافظة البصرة إلى متحف ثقافي، في خطوة تحمل أبعادا حضارية تتجاوز الحفاظ على الجدران والحجارة، لتصل إلى صون الذاكرة الثقافية للعراق.
فالمنازل التي شهدت ولادة المبدعين ونشأتهم لا تستمد قيمتها من هندستها المعمارية فحسب، بل من كونها فضاءات احتضنت البدايات الأولى لأفكار وتجارب تركت أثرًا عميقًا في تاريخ الأدب والفكر.
ويُعد بدر شاكر السياب أحد أبرز رموز النهضة الشعرية العربية في القرن العشرين، وأحد المؤسسين الحقيقيين لحركة الشعر الحر التي شكّلت تحولًا نوعيًا في بنية القصيدة العربية الحديثة، وقد ارتبط اسمه بقرية جيكور، التي لم تكن مجرد مسقط رأسه، بل كانت المصدر الأهم لصور قصائده ورموزه الشعرية، إذ استلهم من نخيلها وأنهارها وحقولها العديد من النصوص التي أصبحت علامات بارزة في الأدب العربي، وفي مقدمتها قصيدته الشهيرة “أنشودة المطر”، إلى جانب أعمال أخرى لا تزال تحظى بحضور واسع في الدراسات الأدبية والجامعية.
وعلى الرغم من القيمة التاريخية والثقافية الكبيرة التي يمثلها منزل السياب، فإنه تعرض خلال العقود الماضية للإهمال والتقادم، وتأثرت أجزاؤه بعوامل الزمن، الأمر الذي أثار مطالبات متكررة من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالتراث بضرورة إنقاذه وتحويله إلى معلم ثقافي يليق بمكانة صاحبه.
ورغم إطلاق مبادرات عدة خلال السنوات الماضية، فإنها لم تبلغ مرحلة التنفيذ الكامل، فبقي مشروع المتحف مؤجلًا لسنوات طويلة.
ومع انطلاق أعمال إعادة التأهيل بصورة فعلية، بدأت ملامح المشروع الثقافي تتبلور بشكل أكثر نضجاً، اذ لا يقتصر المخطط على ترميم المنزل وفق الأصول المعمارية التي تحافظ على هويته التراثية فحسب، بل يشمل إنشاء متحف يضم الوثائق والصور والمخطوطات والمقتنيات الشخصية التي توثق حياة السياب ومسيرته الإبداعية، إلى جانب تخصيص قاعات للندوات والفعاليات الثقافية والأمسيات الشعرية والمعارض الفنية، بما يمنح المكان حيوية ثقافية مستدامة، ويجعله أكثر من مجرد موقع للزيارة.
وتتجاوز أهمية المشروع البعد الأدبي إلى أبعاد ثقافية وسياحية وتربوية، فمن الناحية الثقافية، يسهم المتحف في ترسيخ الوعي بتاريخ الأدب العراقي وإحياء ذاكرة أحد أبرز رموزه، أما من الناحية السياحية، وكما هو معمول به في دول عديدة تحتفي برموزها الثقافية، فيمكن أن يصبح محطة رئيسة ضمن المسار الثقافي في محافظة البصرة، تستقطب الباحثين والطلبة والمهتمين بالشعر العربي من داخل العراق وخارجه.
ومن الناحية التربوية، يمنح المتحف الأجيال الجديدة فرصة للتعرف عن قرب إلى البيئة التي تشكل فيها وعي السياب، ويجعل دراسة سيرته وإنتاجه الأدبي أكثر ارتباطًا بالواقع.
ويبقى نجاح المشروع مرهونا باستمرار الدعم المؤسسي، واستكمال أعمال التوثيق وجمع مقتنيات الشاعر، وإعداد برامج ثقافية دائمة تجعل المتحف مؤسسة فاعلة لا تقتصر وظيفتها على عرض المقتنيات فحسب، بل تمتد إلى احتضان الأنشطة الأدبية والبحثية وتشجيع الدراسات المتعلقة بإرث السياب وتجربته الشعرية.
وبذلك يتحول المنزل من مكان ارتبط بذكرى شاعر كبير إلى منارة ثقافية تؤكد أن الإبداع الحقيقي لا يموت، وأن الأوطان التي تحفظ ذاكرة مبدعيها إنما تحفظ جزءاً أصيلاً من تاريخها وهويتها الثقافية.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير