رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الاجتماع الفخ في 25 تموز 1990 حسب وثيقة أميركية...لغــز مقابــلة صدام مع السفـــيرة غلاســبي


المشاهدات 1134
تاريخ الإضافة 2026/07/19 - 10:00 PM
آخر تحديث 2026/07/20 - 5:08 PM

في الساعات الأولى من فجر يوم 2 أغسطس/آب 1990 نفذ حرس صدام  الجمهوري أوامر سيده باختراق الحدود مع الكويت من أربعة محاور، وفي غضون ساعات استولت هذه القوات -مدعومة بسلاح الطيران العراقي- على العاصمة الكويت. 
إن من اتخذ القرار كان صدام الفرد فقط، حتى أنه لم يناقش الأمر، ولو بشكل صوري مع قيادة الحزب، أو قيادة الدولة، أو القيادة العسكرية. دولة يسمع فيها وزير الدفاع خبر دخول القوات المسلحة إلى الكويت عبر الإذاعة، ويستدعى رئيس الاركان بعد سبع ساعات من بدء العمليات ليأخذ علما بما وقع. ولا يعلم آمر طيران الجيش بالحدث إلا بعد وقوعه، ويعتقل مدير التوجيه المعنوي لسخريته من طلب قيادته العامة رفع معنويات الجنود. دولة لا يعلم فيها نائب الرئيس متى بدأت الحرب، ولا يعرف قائد القوة الجوية أن الطائرات ستتحطم على الأرض، في حين كان يتعهد بأن ذبابة لن تخترق أجواء العراق. دولة يؤدي فيها وزير الإعلام صلاة الشكر قبل 12 ساعة من بدء الحرب، لأنه اعتقد أن الحرب لن تقع. ومع كل ذلك ما زال البعض يسوق سيناريوهات مفادها أن الزعيم كان على حق، وانه كان محاطا ببطانة من المستشارين غشته، ولم تنقل له الحقائق كما هي على الأرض.  ومهما يكن من امر، أكمل الجيش العراقي سيطرته على البلاد في يومين، وأعلنت بغداد «تحرير الكويت من حكم آل الصباح»؛ وفي 4 أغسطس/آب نصّبت حكومة جديدة للبلاد موالية للعراق دامت أربعة أيام، وكانت برئاسة العقيد الكويتي علاء حسين الخفاجي (صدر عليه حكم غيابي بالإعدام عام 1993 عقب إدانته بـ»الخيانة والتآمر مع العدو في زمن الحرب»، ثم خُفف -إثر عودته إلى البلاد مطلع 2000- إلى السجن مدى الحياة عام 2001). عقد مجلس الأمن جلسة طارئة في اليوم نفسه لبحث غزو العراق للكويت، وأصدر قراره رقم (660) الذي طالب فيه بانسحاب القوات العراقية من الكويت «من دون قيد أو شرط»، ثم أتبع ذلك بجلسة أخرى يوم 6 أغسطس/آب 1990 أقر فيها عقوبات اقتصادية شاملة على العراق بقراره رقم (661)، ثم تتابعت القرارات الأممية بعد ذلك في تشديد الخناق على العراق. وفي 7 أغسطس/آب 1990 أرسلت أميركا قواتها إلى السعودية بطلب من الرياض لحماية حدودها مع الكويت والعراق بعد احتشاد القوات العراقية على الحدود السعودية الكويتية، وبذلك مهدت واشنطن لبدء مرحلة في الحرب سمتها «عملية درع الصحراء». وردا على تلك التطورات أعلن العراق في 9 أغسطس/آب 1990 ضمّ الكويت وقال إنها أصبحت المحافظة العراقية التاسعة عشرة، وأغلق كل السفارات الموجودة فيها، وألغى كل سفاراتها في العالم. غيّر العراق اسم العاصمة الكويت إلى «كاظمة» قائلا إنها عادت إلى «الوطن الأم»، وأحيى بذلك مطالبات عراقية بالكويت تعود إلى لحظة استقلالها عن بريطانيا عام 1961، رغم أنه اعترف بها رسميا وبحدوده معها في 4 أكتوبر/تشرين الأول 1963. وفي 10 أغسطس/آب 1990 عقدت الجامعة العربية قمة طارئة في القاهرة لمناقشة الوضع المستجد، ورغم رفض أعضائها الاحتلال العراقي للكويت، فقد تباينت مواقف دولها من التدخل العسكري الأجنبي لإخراج القوات العراقية من الكويت. ففي حين أيدت هذا التدخل 12 دولة تصدرتها دول الخليج ومصر وسوريا والمغرب، رفضته مجموعة أخرى في مقدمتها الأردن وليبيا والجزائر والسودان واليمن وموريتانيا ومنظمة التحرير الفلسطينية. وفي 11 أغسطس/آب 1990 وصلت إلى السعودي قوات مصرية وسورية للمساهمة في حماية الأراضي السعودية من أي غزو عراقي. وفي 12 أغسطس/آب 1990 قدم العراق ما سماه «حلا للجميع في المنطقة»، تضمن عرضا بانسحابه من الكويت مقابل تنفيذ قرارات الأمم المتحدة السابقة بشأن الأراضي التي احتلتها إسرائيل بانسحاب الأخيرة منها. وفي 25 أغسطس/آب 1990 أصدر مجلس الأمن قراره رقم (665) بفرض حصار بحري على العراق والسماح للقوات البحرية الدولية باتخاذ «التدابير اللازمة»، وتلاه قراره (670) الذي صدر في 25 سبتمبر/أيلول 1990 بفرض حصار جوي عليه، مخولا الدول الأعضاء في المجلس اتخاذ «جميع التدابير اللازمة لضمان نفاذه وتأثيره». وفي أثناء ذلك؛ تشكل تحالف دولي شاركت فيه أكثر من ثلاثين دولة بقيادة الولايات المتحدة، واكتسب «شرعيته» الدولية بعد اعتماد مجلس الأمن قراره رقم (678) يوم 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1990، والقاضي باستخدام «كل الوسائل اللازمة» -بما فيها استعمال القوة العسكرية ضد العراق- ما لم يسحب قواته من الكويت، وحدد القرار يوم 15 يناير/كانون الثاني 1991 موعدا نهائيا لذلك الانسحاب. لم يبال العراق بالحشد الدولي ولا بالموعد المقرر لانسحابه، وقبيل انتهاء المهلة المحددة لذلك التقى وزير خارجيته طارق عزيز مع وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر في جنيف يوم 9 يناير/كانون الثاني 1991 في محاولة أخيرة لـ»إقناع» العراق بالانسحاب، ولكن لم ينتج شيء عن هذا اللقاء؛ فانتهت فترة الإنذار الدولي يوم 15 يناير/كانون الثاني 1991 ولم تستجب بغداد للمطالبة الأممية بخروج قواتها من الكويت. تمكنت واشنطن من بناء ائتلاف يتجاوز حلفاءها الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وكانت حصيلة هذا التحالف: 38 دولة، و750 ألف جندي (75% منهم أميركيون)، و3600 دبابة، و1800 طائرة، و150 قطعة بحرية. 
أما بالنسبة إلى لقاء غلاسبي مع صدام، فقبل أسبوع من اجتياح الكويت سنة 1990، تلقت اتصالاً من وزارة الخارجية، فاعتقدت أنهم اتصلوا لإبلاغها بالتوجه إلى وزارة الخارجية لمقابلة نزار حمدون الذي كان نائباً لطارق عزيز، أو ربما عزيز نفسه، فاكتفوا بالقول لها بالحضور إلى الوزارة من دون تحديد الشخص الذي سأقابله.
وتستذكر تلك المقابلة بالقول:»ولدى وصولي وضعوني في سيارة مجهولة مع سائق مجهول وطلبوا منه اصطحابي إلى مكان ما، فأردت أن أعرف إلى أين سأتجه في هذه السيارة، فقالوا لي إلى الرئاسة. وأثناء الطريق لم أكن أفكر بأنني ذاهبة لرؤية صدام، إنما لألتقي شخصاً آخر. وعندما أدركت أنه هو الذي سألقاه، فكرت بأنه ليس مستحيلاً أن تكون الانذارات القوية التي وجهتها إلى العراقيين عبر نزار حمدون، خصوصاً تلك الموجهة إلى السفير العراقي في واشنطن من جانب مساعد وزير الخارجية الأميركي، لم تصله لأن الكل كان يرتعب منه، لذا اعتبرت أنها مناسبة جيدة لي لتكرار التعليمات التي وصلتني من الادارة ومفادها «لا تحتل الكويت وارفع يديك عن هذا البلد». وادرج ادناه نص الوثيقة التي كتبتها غلاسبي الى وزير خارجيتها جيمس بيكر عن ذلك اللقاء : »استدعى الرئيس صدام حسين السفيرة ظهر يوم 25 يوليو/تموز. وكان حاضرًا أيضًا طارق عزيز، وزير الخارجية العراقي، ومدوّنان، والمترجم العراقي. قال صدام، الذي اتسم أسلوبه بالود والعقلانية، بل والدفء طوال الساعتين التاليتين، إنه يرغب في أن ينقل السفير رسالة إلى الرئيس بوش. ثم استذكر صدام بالتفصيل تاريخ قرار العراق إعادة العلاقات الدبلوماسية وتأجيل تنفيذ هذا القرار في بداية الحرب، خشية أن يُنظر إليه على أنه ضعيف ومحتاج. ثم تحدث عن «الضربات» العديدة التي تعرضت لها علاقاتنا منذ عام 1984، وأبرزها فضيحة إيران غيت. قال صدام إنه بعد انتصار العراق في حرب الخليج 1980 -1988، بدأت المخاوف العراقية بشأن أهداف الحكومة الأمريكية بالظهور مجدداً، أي الشكوك بأن الولايات المتحدة لم تكن راضية عن انتهاء الحرب.  وبحذر شديد في اختيار كلماته، قال صدام إن هناك «بعض الدوائر» داخل الحكومة الأمريكية، بما في ذلك في وكالة المخابرات المركزية ووزارة الخارجية، لكنه استثنى بشكل قاطع الرئيس ووزير الخارجية الامريكي جيمس بيكر، اللذين لا تربطهما علاقات ودية بالعراق والولايات المتحدة. ثم سرد ما بدا أنه حقائق تدعم هذا الاستنتاج: «تجمع بعض الدوائر معلومات حول من قد يكون خليفة صدام  حسين؛» حافظوا على اتصالاتهم في الخليج محذرين من العراق؛ وعملوا على ضمان عدم وصول أي مساعدة إلى العراق. أكد صدام أن العراق يعاني من صعوبات مالية خطيرة، حيث تبلغ ديونه 40 مليار دولار أمريكي. العراق، الذي أحدث انتصاره في الحرب ضد إيران فرقًا تاريخيًا للعالم العربي والغرب، يحتاج إلى خطة إنقاذ شاملة. لكن اتهم صدام امريكا  «بأنها تريد خفض سعر النفط،».  
واستأنف سرد قائمة مظالمه التي اعتقد أنها جميعها مستوحاة من «بعض الدوائر» في الحكومة الأمريكية، مستذكراً «حملة وسائل الإعلام الأمريكية» ضده، والهجوم الإعلامي العام على العراق ورئيسه. وعلى الرغم من كل هذه الانتقادات، قال صدام، وعلى الرغم من «أننا كنا منزعجين إلى حد ما»، إلا أننا ما زلنا نأمل في أن نتمكن من تطوير علاقة جيدة. لكن أولئك الذين يفرضون خفض أسعار النفط يمارسون حرباً اقتصادية، ولا يمكن للعراق أن يقبل مثل هذا التعدي على كرامته وازدهاره. أما رؤوس الحربة، قال صدام إن الكويت والإمارات كانتا (بالنسبة للحكومة الأمريكية) هما الحليفتان الوحيدتان. وأضاف صدام بحذر أن العراق، كما لن يهدد الآخرين، لن يقبل أي تهديد ضده. وتابع: «نأمل ألا تُسيء الحكومة الأمريكية فهم الأمر». يُقر العراق، كما صرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية، بأن لأي دولة الحق في اختيار حلفائها. لكن الحكومة الأمريكية تُدرك أن العراق، وليس الحكومة الأمريكية، هو من حمى حلفاءها خلال الحرب بشكل حاسم، وهذا أمر مفهوم، إذ إن الرأي العام في الحكومة الأمريكية، ناهيك عن الجغرافيا، كان سيجعل من المستحيل على... أن يقبل الأمريكيون بعشرة آلاف قتيل في معركة واحدة، كما فعل العراق.  
تساءل صدام: ما معنى إعلان الحكومة الأمريكية التزامها بالدفاع عن أصدقائها، فرادى وجماعات؟ أجاب على سؤاله بنفسه قائلاً إن ذلك يعني أن للعراق تحيزاً صارخاً ضد الحكومة العراقية. وفي إحدى نقاطه الرئيسية، جادل صدام بأن مناورات الحكومة الأمريكية مع الإمارات والكويت شجعتهم على سياساتهم غير العادلة. وأكد صدام أن الحقوق العراقية ستُستعاد تدريجياً. على الرغم من أن الأمر قد يستغرق شهرًا أو أكثر من عام، يأمل العراق أن تتعاون حكومة الولايات المتحدة مع جميع أطراف هذا النزاع. قال صدام إنه يتفهم تصميم حكومة الولايات المتحدة على ضمان استمرار تدفق النفط والحفاظ على علاقاتها الودية في الخليج. لكن ما لا يفهمه هو سبب تشجيعنا لمن يلحقون الضرر بالعراق، وهو ما ستفعله مناوراتنا في الخليج. قال صدام إنه يؤمن تمامًا برغبة حكومة الولايات المتحدة في السلام، وهذا أمر جيد. لكنه طلب منها ألا تستخدم أساليب تدّعي عدم رضاها عنها. مثل الإكراه. في هذه المرحلة، تحدث صدام بإسهاب عن كرامة العراقيين الذين يؤمنون بمبدأ «الحرية أو الموت». سيتعين على العراق الرد إذا استخدمت الولايات المتحدة هذه الأساليب. يعلم العراق أن الحكومة الأمريكية قادرة على إرسال طائرات وصواريخ وإلحاق ضرر بالغ به. يطلب صدام من الحكومة الأمريكية عدم إجبار العراق على الخضوع إلى حد الإذلال الذي يُجبر على تجاهل المنطق. لا يعتبر العراق الولايات المتحدة عدوًا، وقد سعى إلى بناء علاقات صداقة.  أما فيما يتعلق بالخلافات العربية الداخلية، فقد صرح صدام بأنه لا يطلب من الحكومة الأمريكية الاضطلاع بأي دور محدد. بما أن الحلول يجب أن تأتي من خلال الدبلوماسية العربية والثنائية. بالعودة إلى موضوعه بأن العراق يريد الكرامة والحرية بالإضافة إلى الصداقة مع الولايات المتحدة، اتهم صدام حسين بأنه خلال العام الماضي صدرت العديد من التصريحات الرسمية التي أوحت بأن الولايات المتحدة لا ترغب في الرد بالمثل. وتساءل: كيف يمكننا، على سبيل المثال، تفسير دعوة آرينز للزيارة في وقت الأزمة التي يشهدها الخليج؟ ولماذا أدلى وزير الدفاع الأمريكي بتصريحات «تحريضية»؟. وأضاف صدام أن العراقيين يعرفون معنى الحرب، ولا يريدون المزيد منها، «لا تدفعونا إليها؛ لا تجعلوها الخيار الوحيد المتبقي لنا لحماية كرامتنا».  قال صدام إن الرئيس بوش لم يرتكب أي خطأ خلال فترة رئاسته تجاه العرب. وأضاف أن قرار الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية كان «خاطئاً»، لكنه اتُخذ تحت «ضغوط صهيونية»، وربما يكون تكتيكاً ذكياً لامتصاص تلك الضغوط. 
بعد استطراد قصير حول ضرورة أن تنظر الولايات المتحدة في حقوق الإنسان لـ ٢٠٠ ألف عربي بنفس الحماس والاهتمام اللذين تُوليهما لحقوق الإنسان للإسرائيليين، اختتم صدام حديثه بالتأكيد على أن العراق يرغب في صداقة أمريكية، «مع أننا لن نتوق إليها، إلا أننا سنؤدي دورنا كأصدقاء». ثم روى صدام قصة لتوضيح وجهة نظره، إذ كان قد أخبر الزعيم الكردي العراقي عام ١٩٧٤ [يقصد صدام الملا مصطفى البارزاني] أنه مستعد للتنازل عن نصف شط العرب لإيران مقابل الحصول على العراق بأكمله مزدهراً. راهن الكردي على أن صدام لن يتنازل عن نصف الشط، لكن رهانه كان خاطئًا. وحتى الآن، تبقى قضية الشط هي القضية الحقيقية الوحيدة مع إيران، وإذا كان التنازل عن نصف الممر المائي هو العائق الوحيد بين الوضع الراهن وازدهار العراق، فقد صرّح صدام بأنه سيسترشد بما فعله عام ١٩٧٤.
•أستاذ التاريخ الأمريكي في جامعة بغداد
 


تابعنا على
تصميم وتطوير