رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
التديـــن الشعــــبي


المشاهدات 1144
تاريخ الإضافة 2026/07/19 - 10:00 PM
آخر تحديث 2026/07/20 - 5:08 PM

التدين الشعبي تدين بريء، يتجلى فيه شيء من روح الدين الرحماني، هذا النمط من التدين عرفته حياة الأفراد والمجتمعات، وتوارثته الأجيال منذ عصر الرسالة. تدين يقوم على الإيمان العفوي، والثقة بالله، والتماس السكينة في حضوره، ويتصالح مع المؤسسات الدينية التقليدية، كما يتصالح مع طرائق عيش المسلمين وإيقاع حياتهم، فلا يرى تناقضًا بين الإيمان والفنون الشعبية والفلكلور والعادات الاجتماعية ما دامت لا تنتهك قيمة أخلاقية، ويتعايش مع الدولة الوطنية. 
لا يشكل هذا التدين عبئًا على حياة الناس، ولا يدفعهم إلى التشدد، ولا يفسد علاقاتهم بالمختلف في الدين أو المذهب أو الهوية أو الثقافة، لأنه لا ينشغل بمراقبة عقائد الآخرين بقدر انشغاله بإصلاح صاحبه. يحتفظ هذا التدين، على بساطته، بحس أخلاقي حميم، ويغذي قيم الرحمة والتكافل والعطاء، ويمنح الإنسان سكينة روحية، من غير أن يصادر عقله، أو يفرض عليه كراهية المختلف، أو يقطعه عن مجتمعه. من هنا ظل هذا النمط من التدين، على الرغم مما يعتريه أحيانًا من بساطة في الفهم أو اختلاط بين بعض الموروثات والدين، أقرب إلى الإنسان، وأقدر على صون العلاقات الاجتماعية، وأبعد عن التعصب والعنف، لأنه يستمد قوته من دفء الإيمان، لا من صخب الشعارات، ومن أخلاق العيش المشترك، لا من صراعات الهويات المغلقة.
 لا تحضر في التدين الشعبي التدقيقات الفقهية التفصيلية، ولا فتاوى الاحتياط التي تثقل حياة الناس، مثل الجمع بين القصر والتمام، أو بين الصوم والقضاء في السفر، وغيرها مما تغرق فيه كتب الفقه العملي المتأخرة. إنه تدين لا يعرف التشدد، ولا يرهق المؤمن بالمبالغة في الاحتياط والخوف من الوقوع في المخالفة، ويؤدي فيه المتدين الصلاة والصوم وسائر الفرائض في سياق يتفاعل مع الثقافة المحلية وعادات المجتمع. ويتعامل مع الدين بوصفه سبيلًا للسكينة وإصلاح الحياة، لا منظومة معقدة من التدقيقات الفقهية التي تستنزف طاقة المؤمن، وتملؤه بالقلق والوسواس. لذلك يظل هذا التدين أقرب إلى روح الدين، وأقدر على التوفيق بين الإيمان ومتطلبات الحياة، من غير أن يشعر الإنسان بأن تدينه عبء يرهقه، أو قيد يحول بينه وبين عيشه الطبيعي.
تتسع في هذا التدين حدود التعايش مع المختلف في الدين والمعتقد والمذهب، لأنه لا ينشغل بتفتيش إيمان الآخرين، ولا بمحاكمة معتقداتهم، بقدر انشغاله بسلامة إيمان صاحبه، واستقامة سلوكه، وحسن علاقته بالناس. لذلك يظل أكثر استعدادًا لقبول الاختلاف، وأقل ميلًا إلى الخصومة والإقصاء، لأنه ينظر إلى التدين بوصفه تهذيبًا للنفس، لا أداة للحكم على الآخرين. لعل أوجز من وصف هذا النمط من التدين المتكلم الشهير الفخر الرازي بقوله: «من التزم دين العجائز فهو الفائز». 
التدين الشعبي طالما وقع ضحية الجهل، وافترسته الخرافة؛ لأن الأمية، والفقر، والمرض، لا تغادر حياة الجماعات الشعبية في القرى والأرياف والأحياء الفقيرة وأحزمة البؤس في المدن. تمثل هذه العوامل بيئة خصبة لنمو الخرافات والمعتقدات الغرائبية، وتغذي قابلية الإنسان لتصديق كل ما يعده بالخلاص أو يخفف قلقه. على الرغم من نفحات الروح الرحيمة في هذا التدين، وحضور الأخلاق العفوية الدافئة فيه، يلتبس أحيانًا ما هو أخلاقي بما هو شكلي، ويصعب على الناس التمييز بين الديني والدنيوي، والمقدس وغير المقدس. ويحدث هذا الاضطراب كلما تراجع الوعي، وضعفت التربية الدينية السليمة، وغاب التفكير العقلاني، فتتسع دائرة المقدس، ويختلط الوحي بالموروث، والدين بالعادات، والإيمان بالخرافة.
تتسع دائرة المقدس باستمرار، فتستوعب ما ليس مقدسًا، وتدمجه في فضائها، حتى يغدو كل ما يحيط بالدين مرشحًا للقداسة. وكلما تمددت دائرة المقدس، ضاق فضاء التفكير العقلاني، وتعذر التمييز بين ما هو إلهي، وما أنتجته إكراهات التاريخ، والثقافة، والعادات، والمصالح البشرية. أكثر الناس متعطشون لوجود آلهة من جنس البشر، يلمسون حضورها، ويستجيرون بها في أوقات الخوف، ويبحثون عندها عن السكينة، ويستمدون منها الحماية والأمل. هذا التعطش لا ينشأ من فراغ، وإنما تفرضه هشاشة الوجود الإنساني، وعجز الإنسان أمام الخوف، والقلق، والمرض، والموت، والفقد، والعنف، وتقلبات الحياة. حين يعجز عن التمييز بين المقدس وتمثلاته البشرية، يبدأ في صناعة مقدسات جديدة، يضفي عليها ما يتطلع إليه من قدرة على الحماية والإنقاذ. هكذا لا تتوقف صناعة المقدس عند حدود ما يقدسه الدين، وإنما تمتد إلى ما ينتجه الخيال الجمعي، وتصوغه الذاكرة، وتغذيه الحاجة النفسية والروحية، وتكرسه السلطة، ويرسخه الموروث الاجتماعي.  كلما غاب العقل النقدي، واتسعت سلطة الخوف والجهل، تمددت دائرة المقدس، وتضخم حضوره في الحياة، حتى يكتسب أشخاص، وأشياء، وأمكنة، وأزمنة، وحوادث، ورموز، قداسة لم يمنحها لها الدين. يحدث هذا التمدد تدريجيًا، فلا يكاد الإنسان يشعر بأنه انتقل من الإيمان بالمقدس إلى الإيمان بما نُسب إليه من مقدسات، فيختلط الإلهي بالبشري، والثابت بالمتغير، والوحي بالموروث، وتغدو مساءلة هذه المقدسات ضربًا من التجديف في وعي الجماعة.
المقدس المصنوع يستعبد الإنسان، ويعطل عقله، ويطالبه بالطاعة أكثر مما يدعوه إلى الفهم. وكلما تضخمت دائرة هذا المقدس، اضمحلت مساحة الحرية، وازدادت قابلية الإنسان للخضوع، حتى يغدو أسير ما صنعه خياله، أو صنعته له السلطة، أو ورثه من ذاكرته الجمعية. وظيفة العقل التمييز بين قداسة الله، وما أضفاه البشر من قداسة على ما ليس مقدسًا، حتى يبقى الدين محررًا للإنسان، لا وسيلة لاستعباده، ويبقى المقدس مصدرًا للمعنى، لا غطاءً للوهم أو أداة للهيمنة. 
الواقع ضيق، مثقل بالعنف، ومشحون بالقلق والحرمان والانكسارات، وهو ما يدفع الإنسان إلى البحث عن ملاذ يخفف وطأة وجوده، ويمنحه معنى وأملًا وسكينة. لا يجد الإنسان فضاء أرحب من فضاء المقدس للاحتماء به، هذه الحاجة الوجودية إلى المقدس حاجة أصيلة، غير أن الإنسان كثيرًا ما يخطئ في الاستجابة لها، فيتحول ما كان وسيلة لإرواء الظمأ الروحي إلى وثن يستعبد الإنسان، بعد أن كان الدين سبيلًا لتحريره. لا تكمن خطورة التورط في اتساع دائرة المقدس فحسب، بل في أن الإنسان يفقد تدريجيًا قدرته على مساءلة ما يقدسه، فيصبح الدفاع عنه بديلًا عن البحث عن الحقيقة، والطاعة بديلًا عن الفهم، والانفعال بديلًا عن الوعي.كلما ازداد تقديس ما لا يستحق التقديس، انكمشت حرية العقل، وضاقت مساحة النقد، وازدادت قابلية الإنسان للخضوع لكل سلطة تتحدث باسم المقدس.
 المتدين العقلاني يمكن أن يميز بين قداسة الله، وبين ما أضفته الذاكرة الجمعية، أو المصالح، أو الأوهام، من قداسة على أشخاص وأشياء وأكاذيب. العقل لا يسلب المقدس معناه، وإنما ينقذه من التزييف، ويحرره من التوظيف، ويصونه من أن يتحول إلى أداة للاستعباد.كلما استعاد العقل وظيفته النقدية، عاد المقدس إلى مجاله الحقيقي، وعاد الدين إلى رسالته في بناء الإنسان، وإيقاظ الضمير، وإثراء الحياة بالمعنى، وصيانة كرامة الإنسان وحريته. 


تابعنا على
تصميم وتطوير