رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
سيف ذو الفقار يتصدر مبيعات التحف في كركوك


المشاهدات 1037
تاريخ الإضافة 2026/07/25 - 9:52 PM
آخر تحديث 2026/07/25 - 11:22 PM

بين وهج النار المتصاعد من “الكورة”، ورنين المطرقة الذي يملأ أزقة سوق كركوك الكبير، يبدأ الحديد رحلته الطويلة ليصبح سيفاً لامعاً.
ورغم أن الحطب الذي كان يشعل أفران الحدادة لعقود طويلة استُبدل اليوم بالغاز والكهرباء، فإن النار بقيت العنصر الأهم في هذه الحرفة، فهي التي تمنح الحديد ليونته قبل أن يتحول، بين يدي الحداد، إلى نصل يحمل تاريخاً يمتد لمئات السنين.
ولسنوات طويلة، كان سوق كركوك الكبير واحداً من أشهر الأسواق العراقية في صناعة السيوف والخناجر، إذ ضم عشرات الورش والمتاجر التي كانت تصنع السيوف يدوياً وتستقبل الزبائن من مختلف المحافظات، فضلاً عن التجار القادمين من خارج العراق، لكن هذه الصناعة أخذت تتراجع تدريجياً مع دخول السيوف المستوردة وإغلاق معظم الورش القديمة، حتى لم يبقَ اليوم في سوق كركوك سوى حرفيين اثنين يواصلان العمل، في محاولة للحفاظ على مهنة توارثتها عائلات المدينة جيلاً بعد جيل.
ويقول أحد أقدم صانعي السيوف في سوق كركوك، عماد البياتي إن “علاقته بهذه المهنة بدأت قبل أن يدرك تفاصيلها”، مضيفاً: “كان عمري عامين فقط عندما كنت أرافق والدي ووالدتي إلى متجرنا في سوق كركوك الكبير، وهناك بدأت رحلتي مع صناعة السيوف، فقد نشأت بين أصوات المطرقة ورائحة الحديد الساخن”.
ويوضح البياتي أن سوق كركوك كان يضم في الماضي عشرات الورش التي يعمل فيها حدادون ونقاشون وحرفيون متخصصون في صناعة مقابض السيوف وأغمادها، إلا أن أغلب هذه الورش أغلقت أبوابها بسبب تراجع الإقبال على الصناعة المحلية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، ومنافسة المنتجات المستوردة التي اجتاحت الأسواق العراقية خلال السنوات الأخيرة.
ويؤكد أن السيف العراقي لم يعد يُستخدم كما كان في الماضي، بل تحول إلى قطعة تراثية يقتنيها هواة جمع التحف، أو تُقدَّم هدية في المناسبات الرسمية والعشائرية، فضلاً عن استخدامها في بعض الطقوس الصوفية والمهرجانات التراثية.
ويبين أن أكثر السيوف طلباً في الأسواق العراقية هو سيف الإمام علي عليه السلام (ذو الفقار)، لما يحمله من رمزية دينية وتاريخية، إذ يحرص كثير من المواطنين على اقتنائه وتعليقه في المنازل أو المضايف، أو تقديمه هدية، إلى جانب السيوف العربية والعثمانية التي ما تزال تحظى بإقبال محبي التراث.
ورغم أن أدوات الحدادة تطورت، وأصبحت الأفران الحديثة تعمل بالغاز والكهرباء بدلاً من الحطب، فإن البياتي يشير إلى أن جوهر المهنة لم يتغير، فالنار ما تزال المعيار الحقيقي في تشكيل الحديد، وهي التي تحدد جودة النصل وصلابته، بينما تبقى خبرة الحداد العامل الأهم في صناعة سيف يجمع بين القوة وجمال التصميم.
ويضيف أن استمرار هذه الحرفة بات مهدداً في ظل عزوف الشباب عن تعلمها، وغياب الدعم للصناعات التراثية، الأمر الذي يجعل مستقبلها مرهوناً بقدرة الحرفيين القلائل المتبقين على نقل خبراتهم إلى جيل جديد، قبل أن تختفي واحدة من أقدم المهن التي اشتهرت بها مدينة كركوك. ويرى صانع السيوف في سوق كركوك، كامل عباس، أن التحدي الأكبر الذي تواجهه هذه الحرفة اليوم لا يكمن في قلة الزبائن فحسب، وإنما في هيمنة السيوف المستوردة على السوق العراقية، بعد أن كانت المنتجات المحلية تتصدر المشهد لعقود طويلة.


تابعنا على
تصميم وتطوير