
من المفارقات المثيرة لاهتمامات المحللين والخبراء الاقتصاديين والسياسيين من داخل المغرب ومن خارجه، أن المغرب الذي يواجه خصاصا كبيرا في الموارد المالية المتحصلة من الثروات الباطنية، خصوصا النفط و الغاز، إذ يكاد يكون الدولة العربية الوحيدة التي تفتقد إلى هذه الثروات خلاف باقي الدول العربية التي تتفاوت مداخيلها من هذا المصدر، بل إن المغرب يضطر لاستيراد جميع احتياجاته من هذه المواد من الخارج و بالعملة الصعبة، مقابل هذا الإكراه الكبير فإن المغرب يراكم المكاسب على المستوى الاقتصادي و التنموي بصفة عامة، وهذا ما كان و لا يزال محل إشادة من طرف المنظمات و الهيئات الدولية الاقتصادية المتخصصة .
وفي هذا السياق جاء التقرير السنوي لبنك المغرب ( البنك المركزي ) وهو أحد أهم المراصد الاقتصادية و المالية في المغرب، والذي استعرض تفاصيله والي بنك المغرب أمام جلالة الملك قبل أيام ليؤكد هذه الحقيقة، حيث كشف التقرير عن تحسن عدد من المؤشرات الاقتصادية و المالية للمغرب ، وفي مقدمتها تسارع النمو وتراجع التضخم وعجز الميزانية و ارتفاع معدلات الاستثمار والاحتياطات من العملة الصعبة، رغم أن المحيط الخارجي للمغرب يطبعه توالي الصدمات واستمرار حالة اللايقين. و أكد في هذا السياق أن معدل نمو الاقتصاد المغرب وصل إلى 4,9 بالمائة خلال سنة 2025 ، وهو من أعلى معدلات النمو في منطقة شمال أفريقيا و البحر الأبيض المتوسط و العالم العربي. موازاةً مع ذلك استقر معدل التضخم عند نسبة 0,8 بالمائة فقط، وهو أيضا من أدنى معدلات التضخم في المحيط الجهوي للمغرب ، كما أن الاستثمار ظل المحرك الأساسي للنمو، خصوصا الاستثمار العمومي الذي ارتفع حجمه بنسبة أكثر من 16 بالمائة بمبلغ اجمالي وصل إلى 340 مليار درهم ( أكثر من 35 مليار دولار أمريكي )، مقابل تراجع عجز الميزانية الذي انخفض خلال سنة واحدة إلى 3,5 بالمائة، وموازاة مع ذلك انخفضت مديونية الخزينة وتراجع الدين الداخلي. وبما أن الأمر يتعلق بوثيقة اقتصادية بحمولة سياسية ذات مصداقية عالية تطرق التقرير إلى العديد من الاختلالات كان أهمها توقفه طويلا عند إشكالية تعميم فوائد النمو على جميع المغاربة بصفة عادلة، إذ أشار بوضوح إلى أن الآثار الإيجابية لهذا النمو المضطرد لا تطال جميع المواطنين، وأن معدل البطالة لا يزال مرتفعا، إذ يصل إلى 13 بالمائة بما لا يتلاءم نهائيا مع المؤشرات الاقتصادية والمالية الإيجابية العامة. كما طالب التقرير بضرورة ترشيد النفقات العمومية، وتحسين تقييم البرامج والمشاريع، وإصلاح التعليم والتكوين ومواصلة تحسين مناخ الأعمال، وتقوية النسيج الإنتاجي وتشجيع القطاع الخاص. كما نبه إلى ضرورة الإسراع في إحداث مخزون استراتيجي للمواد الأساسية في ظل تكرر الأزمات الدولية واضطراب سلاسل الإنتاج في العالم. واعترف التقرير بوضوح بأن الانتقال إلى مصاف الدول الصاعدة لا يتوقف على رفع معدل النمو وحده، بل يتطلب توزيعا أفضل لعائداته وخلق فرص عمل أكثر وتقليص الفوارق الاجتماعية حتى يتحول التحسن الذي تظهره الأرقام الاقتصادية إلى أثر ملموس في حياة المواطنين .
ويمكن القول إن تقرير بنك المغرب يعاضد تقارير أخرى تصدرها مؤسسات رسمية أخرى متخصصة في الحكامة و المنافسة على غرار المجلس الأعلى للحسابات ومجلس المنافسة و المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والهيئة الوطنية للنزاهة و الوقاية من الرشوة ومحاربتها ، وهي مؤسسات دستورية يرتبط عملها بإمكانية الإحالة على القضاء ، وهي تقارير تتسم وتتصف بمنسوب عالٍ من الاستقلالية والواقعية والمصداقية. ولذلك تحظى تقارير هذه المؤسسات التي تصدر بصفة دورية أو غير منتظمة باهتمام كبير ، ليس من طرف الأوساط الرسمية المعنية بها، بل أيضاً من طرف الرأي العام الوطني الذي يعدها مرآة حقيقية عاكسة لحقيقة الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد.