
تقف المنطقة على شفا تحول استراتيجي غير مسبوق يعيد تشكيل المعادلة الجيوسياسية برمتها.. في لحظة فارقة تشهد اعادة رسم الخرائط وتفكيك التوازنات الاقليمية العتيقة يتصدر الشرق الاوسط المشهد كمسرح لصراع ممرات الطاقة وجبهات النفوذ حيث تتصادم الارادات بين مطارق الضغوط الامريكية وشبكات الردع الايرانية.. انها ليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة انما معركة استراتيجية شاملة تدار بأوراق اقليمية معقدة لفرض معادلات جديدة تشكل مستقبل النظام الاقليمي بأسره.
تشهد المنطقة تقاطعات جيوسياسية شديدة التداخل حيث تتصاعد الضغوط اللسبوعية التي يمارسها ترامب ضد ايران التي تجد نفسها في مواجهة تطويق منهجي يمتد عبر كل حدودها الجغرافية حتى الجبهة الشمالية، وفي هذا السياق تبرز استراتيجية طهران القائمة على اعادة التوازن عبر حشد اوراق قوتها الاقليمية وعلى راسها الحركة الحوثية في اليمن للسيطرة الميدانية على مضيق باب المندب كأداة ردع مقابل التحركات الاستعراضية الامريكية الهادفة لتقييد الملاحة في مضيق هرمز ومحاصرة الصادرات النفطية.
يتجلى دقة الموقف في القراءة الايرانية للمشهد، حيث يدرك القادة في طهران تماما الحدود الحاكمة وما يعد استفزازا يوجب ردود فعل اقليمية مباشرة لا سيما في الملف اليمني والحظر الجوي المتعلق به، ومن هذا المنطلق فإن التحركات الايرانية في المسارات البحرية ومحيط باب المندب لا تأتي من باب الرغبة في التصعيد او اشاعة الاضطراب انما تندرج في اطار الدفاع عن مصالحها الحيوية ومواجهة الحصار الخانق المفروض عليها، وتأتي هذه التطورات كاستجابة للضغوط والتحركات الأمريكية الاسرائيلية الاذربيجانية الرامية لفرض واقع جديد في المحافظات الشمالية وفرض ممر ( زنغزور ) الذي يهدد بقطع شرايين التجارة الشمالية الحيوية لإيران.
من جهتها، وجدت السعودية نفسها امام خيارات استراتيجية حاسمة فبينما كان بمقدورها تفادي التصعيد المباشر والتغاضي الاستثنائي عن واقعة الطائرة الايرانية إلا ان الرياض قرأت هذا التحرك الذي جاء أساسا في اطار حماية طهران لمصالحها ونفوذها على انه يمس بالموازنات القائمة في باب المندب والملاحة النفطية والاستثمارية، وهذا الفهم السعودي هو ما دفع الرياض لاتخاذ موقف مواجهة شكل بدوره غطاء كافياً لترامب ليدشن مرحلة اوسع من الضغط على ايران.
اللافت في هذا المشهد هو ان الزج بالسعودية في استحقاقات المواجهة المباشرة يخدم المصالح الاسرائيلية بشكل كبير في الوقت الراهن خصوصا مع التوتر الصامت حول المشروع الاقتصادي الكلي المتمثل في ممر الهند اوروبا، حيث تتمسك الرياض بموقفها الصلب الرافض لمرور الشحن عبر الموانئ الاسرائيلية وتصر على تحويل المسار نحو الاراضي السورية باتجاه الاراضي الاوروبية مستقبلا، هذا الموقف السعودي دفع تل ابيب لاستخدام ورقة المكون الدرزي في الجنوب السوري لتعطيل الممر السوري وتأمينه كمنطقة نفوذ مضطربة، فضلا عن توجيه ضربات عسكرية ضد الحوثيين كرسالة ردع بعد طول انتظار وتأجيل.
إن المنطقة تقف اليوم عند نقطة فارقة تتزامن فيها عملية حسم ملف ايران ونفوذها الاقليمي مع حسم معركة الممرات الدولية وطرق خطوط الغاز والتجارة عبر الشرق الاوسط.
=