رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
خمس جمل وصمت يملأ شوارع ديترويت


المشاهدات 1090
تاريخ الإضافة 2026/07/29 - 2:57 AM
آخر تحديث 2026/07/29 - 11:30 PM

يختبر «Motor City» قدرة الصورة على حمل حكاية كاملة بأقل قدر ممكن من الكلمات، مقدمًا فيلم انتقام لا يتجاوز حواره خمس جمل. تدور الأحداث في ديترويت خلال سبعينيات القرن الماضي، حيث يضع المخرج بوتسي بونسيرولي الموسيقى والحركة وتعبيرات الممثلين في مركز السرد، ضمن تجربة تستعيد خشونة أفلام الجريمة القديمة وتقدمها بإيقاع بصري معاصر. يمتد العمل إلى ساعة و43 دقيقة، ويتصدر بطولته آلان ريتشسون إلى جانب شايلين وودلي، وبن فوستر، وبابلو شرايبر، وبن ماكنزي وليونيل بويس.
تتمحور القصة حول جون ميلر، العامل الذي يقع في حب صوفيا، المرأة المرتبطة برجل عصابات نافذ. وحين يكتشف الأخير علاقتهما، يدبر لجون تهمة تقوده إلى السجن عن جريمة لم يرتكبها، فيخسر حريته والمرأة التي أحبها. وبعد سنوات، يعود إلى المدينة مدفوعًا برغبة في استعادة ما سُلب منه ومحاسبة المسؤول عن تحطيم حياته. تنتمي الحكاية إلى قالب مألوف في أفلام الجريمة، لكن طريقة تقديمها تمنحها هويتها؛ فالمعلومات والمشاعر تصل عبر النظرات والذكريات وحركة الأجساد، فيما يُترك للمشاهد أن يربط التفاصيل ويقرأ ما تخفيه الشخصيات.
يحمل آلان ريتشسون مركز التجربة بأداء يعتمد على الحضور الجسدي وتعبيرات الوجه. يقدم جون كرجل أنهكته الخسارة، وتراكم الغضب داخله حتى أصبح الصمت جزءًا من شخصيته. وتناسب بنيته القوية مشاهد المطاردات والاشتباكات، غير أن الأداء يصبح أكثر تأثيرًا في اللحظات الهادئة التي يظهر فيها أثر السجن والسنوات الضائعة. ويمنح بن فوستر خصمه توترًا مستمرًا وحضورًا يناسب عالم العصابات، بينما تجسد شايلين وودلي صوفيا، التي تمثل الدافع العاطفي للانتقام، رغم أن السيناريو لا يمنح شخصيتها المساحة الكافية لتتجاوز موقعها داخل صراع الرجلين. يشكل الشريط الموسيقي العنصر الأبرز في الفيلم، إذ يتولى أحيانًا وظيفة الحوار، ويقود الانتقال بين الذكريات والمطاردات والمواجهات. تتداخل الأغنيات مع المونتاج السريع وصوت السيارات والضربات، فتبدو بعض المقاطع أقرب إلى لوحات بصرية طويلة تتحرك وفق إيقاع الموسيقى. ويستحضر الفيلم روح السبعينيات من خلال الأزياء والسيارات والألوان والإضاءة، فيما تظهر ديترويت مدينة صناعية قاسية تحاصر شخصياتها بالمصانع والدخان والطرقات الليلية. كما يستخدم التصوير الحركة البطيئة واللقطات القريبة ليمنح العنف طابعًا أنيقًا ومبالغًا فيه أحيانًا. غير أن الفكرة التي تمنح «Motor City» تميزه تضعه أيضًا أمام أصعب تحدياته. فحين يغيب الحوار، تصبح الصورة مطالبة بتوضيح الشخصيات والعلاقات والتحولات النفسية، وهو ما ينجح فيه الفيلم بدرجات متفاوتة. تبدو بعض الشخصيات أقرب إلى نماذج معروفة من أفلام الانتقام: عاشق مظلوم، وامرأة عالقة في علاقة خطرة، وخصم قاسٍ يمتلك النفوذ. كما أن علاقة جون وصوفيا تحتاج إلى بناء أعمق حتى تحمل رحلة الانتقام ثقلًا عاطفيًا أكبر، إذ يركز الفيلم على المظهر والحركة أكثر من التفاصيل التي تجعل خسارة البطل مؤلمة للمشاهد. ومع ذلك، يصنع بونسيرولي عملًا يمتلك شخصية واضحة، ويبتعد عن الشكل المعتاد لأفلام الأكشن المعاصرة. يراهن على ذكاء المتلقي وقدرته على قراءة الصورة، ويستخدم الموسيقى والمونتاج والعنف لبناء عالم يشبه رواية مصورة تتحرك على الشاشة. وقد انقسم الاستقبال النقدي حول هذه المقاربة؛ إذ رأى فريق فيها تجربة بصرية جريئة وحيوية، بينما اعتبر آخرون أن تقليل الحوار تحول مع الوقت إلى قيد يحد من عمق الشخصيات.
افتتح الفيلم عروضه في أميركا الشمالية بإيرادات متواضعة بلغت نحو 1.69 مليون دولار من 1600 صالة، وسط موسم صيفي مزدحم بالأعمال الكبرى. وتعكس هذه البداية محدودية انتشاره أكثر مما تعكس طبيعة التجربة نفسها، التي تبدو أقرب إلى فيلم مستقل يخاطب جمهورًا يبحث عن أسلوب بصري مختلف.
يقدم «Motor City» انتقامًا يتحرك على وقع الموسيقى وهدير المحركات، في مدينة يغلب عليها الدخان والعنف والذكريات. قد لا تمتلك حكايته العمق الذي يوازي جرأة أسلوبه، لكنه ينجح في إثبات أن الصمت قادر على قيادة فيلم أكشن كامل، وأن النظرة والحركة واللون قد تقول أحيانًا ما تعجز عنه صفحات من الحوار.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير