رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
معرض تشكيلي يستعيد الذاكرة بالحفر والطباعة


المشاهدات 1091
تاريخ الإضافة 2026/07/30 - 1:15 AM
آخر تحديث 2026/07/30 - 11:30 PM

عرضت في قاعة “ذا غاليري” للفنون، المعرض الشخصي للفنان محمد الكناني الذي لا يشبه معارض الصخب البصري المعتادة، أكثر من أربعين لوحة طباعة غرافيكية مرصوصة بهدوء، تدعو المتلقي إلى أن يخفض صوته الداخلي قبل أن يرفع عينه.. العنوان وحده كان كافيا لإعلان نية الفنان: “رحلة الروح في منازل القمر.. ورؤية فنية تستلهم منازل القمر بوصفها مراحل رمزية في رحلة الإنسان الداخلية. في هذه الأعمال، تمثل كل منزلة حالة من الوعي والوجدان تنتقل فيها الروح من مرحلة إلى أخرى، ليصبح القمر رمزاً للتجدد والنمو، وإدراك الذات”. دعوة لم تكن للمعاينة فقط، بل للعبور لأن ما قدمه الكناني لم يكن مجموعة مطبوعات معلقة على الجدار، بل مختبرا بصريا وبنيويا، تتزاحم فيه الحداثة التشكيلية مع روحية مشرقية قديمة.
اللافت انه منذ اللحظة الأولى تشعر أنك أمام فنان أكاديمي لا يخاف الصرامة، وأديب لا يخاف الشعر؛ محمد الكناني، الحاصل على بكالوريوس فنون تشكيلية، وماجستير في الفنون المعاصرة، ودكتوراه فلسفة علوم الفن، وبحكم لقبه العلمي أستاذ “بروفيسور”، جاء إلى الغرافيك لا كتقنية طباعية فقط، بل كمنهج تفكير، الغرافيك عنده ليس نسخا، بل بناء، ليس سطحاً، بل طبقات، يبدأ الكناني رحلته من الهندسة ليس الهندسة الباردة التي تقيس الزوايا، بل هندسة لها دم.
واعتمد الكناني في أغلب الأعمال يفرض القوس نفسه؛ قوسا عموديا يشبه المحراب، لا يشتغل كزخرفة إسلامية مستهلكة، بل كبوابة نافذة بصرية تختزل فكرة المقدس والعبور من الواقعي إلى المجرد.المحراب هنا ليس مكان صلاة، هو مكان تأمل. يضبط به الفنان حركة التكوينات الداخلية الصاخبة، فيمنعها من أن تنفلت، ويمنحها مركزاً أخلاقياً. وإلى جانب القوس، تحضر الدائرة؛ الفضاء الكوني المغلق الذي يشير إلى الأزلية.البداية فيه هي النهاية، والمركز هو نقطة الجذب الفلسفي. حين تقف أمام لوحة من لوحاته تشعر أنك داخل بناء معماري وطقسي في آن واحد، الجدران أقواس، والسقف سماء دائرية، والأرض طبقات تراب، لكن البناء لا يكتمل دون اللغة، واللغة عند الكناني ليست أداة خطابة، هي مادة بصرية. تنتمي تجربته إلى نزعة الحروفية الرصينة التي التقت يوما مع أطروحات “جماعة البعد الواحد”، لكنه لا يكتب نصاً ليُقرأ. يفك الحرف العربي من عبودية المعنى المباشر ويحوله إلى كتلة غرافيكية مشحونة بالطاقة ترى الحروف تتجمع في دوائر علوية تشبه شموساً صغيرة، أو تنساب كأهلة بيضاء تسبح في فراغ اللوحة.
ويتصدر المشهد رمز دائري حروفي متداخل مع لون أحمر قاتم، كأنه نبض الحرف هنا يتنفس داخل مساحات هندسية، محاط بنقاط زرقاء وبنية منتظمة تشبه حبات المسبحة أو ترقيمات فلكية قديمة كان الراصدون ينقشونها على المخطوطات. الحرف لم يعد يدل، صار يرنم.واللون عند الكناني ليس قرارا جماليا عابرا، هو ذاكرة الأزرق والتركواز يحضران بقوة في النصف السفلي من معظم اللوحات. أزرق لازوردي يذكرك ببلاطات القاشاني في العمارة الإسلامية، وبعمق السماء السومرية، بالماء الذي هو أصل الحياة وأصل الروح. وفوقه أو تحته، تمتد مساحات واسعة من الأوكر والترابيات والألوان الطينية، ألوان جدران البيوت الطينية في أرياف العراق، وألوان مخطوطات أكلها الزمن. وتظهر براعة الكناني التقنية في التعامل مع السيولة؛ تقنيات الحفر والطباعة لديه عالية الدقة، لكنه لا يستخدمها لإبهار حرفي، بل يستخدمها لخلق شفافية وطبقات تقف أمام اللوحة فترى تحت اللون لونا، وتحت الطبقة طبقة كأنك تحفر في تربة هذا العمق الجيولوجي يقابله عمق سيكولوجي.


تابعنا على
تصميم وتطوير