
هناك أصوات لا تغيب مهما ابتعد أصحابها عن الميكروفون، لأنها لا تعيش في الذاكرة بوصفها أصواتاً فحسب، بل تتحول إلى جزء من الوجدان الجمعي للمستمعين. ومن بين تلك الأصوات التي حفرت مكانتها في تاريخ الإعلام العراقي يبرز اسم المذيع الكبير الراحل غازي فيصل، أحد أبرز رواد إذاعة بغداد، وأحد الإعلاميين الذين ارتبطت أسماؤهم بالمهنية والانضباط واللغة السليمة، حتى غدا مدرسة قائمة بذاتها في الأداء الإذاعي.. لم يكن غازي فيصل مجرد قارئ أخبار أو مقدم برامج، بل كان مشروعاً إعلامياً متكاملاً جمع بين الثقافة الواسعة، والتمكن اللغوي، والحضور الهادئ، والإيمان العميق برسالة الإعلام. ولذلك لم يكن غريباً أن يقترن اسمه، طوال عقود، بالبرامج الدينية والثقافية، وأن يكون مرجعاً لأجيال من المذيعين الذين تعلموا منه كيف يكون احترام الكلمة واحترام المستمع أساس النجاح. وعندما نستعيد سيرته اليوم، فإننا لا نستعيد تاريخ شخص واحد، بل نستعيد مرحلة كاملة من تاريخ الإذاعة العراقية، حين كانت الكلمة مسؤولية، وكان الميكروفون أمانة، وكانت المهنة تقوم على التدريب الصارم والثقافة العميقة والانضباط المهني.
جذور وطنية صنعت الشخصية ولد غازي فيصل في بيئة عرفت بالثقافة والوطنية. فقد كان يعتز كثيراً بانتمائه إلى أسرة لعبت دوراً بارزاً في تاريخ العراق الحديث، إذ كان جده الشيخ شخير الهيمص أحد المشاركين في ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، وكانت داره ملتقى للثوار والزعامات الوطنية في تلك المرحلة. هذه البيئة لم تمنحه الشعور بالانتماء الوطني فحسب، بل غرست فيه الإيمان بأن خدمة الوطن يمكن أن تتحقق بأكثر من وسيلة، وأن الكلمة الصادقة قد تكون في بعض الأحيان أكثر أثراً من أي وسيلة أخرى. ولهذا ظل العراق محور حديثه أينما حل، حتى بعد اضطراره للإقامة خارج البلاد في سنواته الأخيرة، إذ بقي يحمل بغداد في وجدانه ويستحضرها في كل مناسبة.
معلم اكتشف الموهبة مبكراً
كثير من المبدعين يدينون ببداياتهم إلى معلم آمن بقدراتهم قبل أن يؤمنوا هم بها، وكان الأستاذ الراحل حميد خلخال بالنسبة لغازي فيصل ذلك المعلم الاستثنائي.
في المرحلة المتوسطة كان مدرس اللغة العربية يلحظ تميزه في الإلقاء والخطابة، فكان يشجعه على المشاركة في المهرجانات المدرسية والمسابقات الأدبية، حتى أصبح الفوز بالمراكز الأولى أمراً معتاداً بالنسبة إليه.
ولم يكن ذلك التشجيع عابراً، بل تحول إلى نبوءة جميلة، حين قال له أستاذه إنه سيكون مذيعاً في المستقبل. وبعد سنوات طويلة، وعندما التقيا في بغداد بعد أن أصبح بالفعل من أشهر مذيعي العراق، بادره الأستاذ قائلاً: ألم أقل لك إنك ستكون مذيعاً؟
إنها لحظة تختصر قيمة المعلم الحقيقي، الذي لا يكتفي بتدريس المادة، بل يصنع المستقبل.
الطريق إلى إذاعة بغداد
عام 1965 وقف الشاب القادم من مدينة الشوملي بمحافظة بابل أمام أبواب إذاعة بغداد حاملاً طلب التعيين مذيعاً.
لم تكن أبواب الإذاعة في ذلك الزمن تفتح بسهولة، فقد كانت الاختبارات دقيقة للغاية، وتشرف عليها لجنة تضم كبار المذيعين وأساتذة اللغة العربية، وكان من بينهم العلامة اللغوي الدكتور مصطفى جواد.
اجتاز غازي فيصل تلك الاختبارات، ثم دخل مرحلة تدريبية صارمة هدفت إلى صقل الموهبة قبل السماح له بالظهور أمام الجمهور.
وقد تشكل وعيه المهني في تلك المرحلة على أيدي نخبة من الرواد، مثل عبد اللطيف الكمالي، وعبد الرحمن فوزي، وكبير المذيعين سليم المعروف، وهم أسماء تركت بصمتها الواضحة في تاريخ الإعلام العراقي.
ولذلك ظل يؤكد أن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن التدريب والانضباط هما الطريق الحقيقي إلى الاحتراف.
الاختبار الحقيقي أمام الميكروفون
كان غازي فيصل لا يزال في بداية عمله عندما تغيّب المذيع المكلف بقراءة النشرة الرئيسة بسبب ظرف عائلي طارئ، بينما اعتذرت زميلته عن القيام بالمهمة.
وجد نفسه فجأة أمام مسؤولية لم يكن يتوقعها، فلم يكن أمامه سوى أن يتوكل على الله ويجلس أمام الميكروفون ليقرأ نشرة الأخبار.
خلال دقائق البث الأولى كان رئيس قسم المذيعين الراحل سليم المعروف يراقب أداءه من خارج الأستوديو، ثم دخل إليه بهدوء وأخذ يحذف بعض الأخبار الأقل أهمية لتخفيف الضغط عنه حتى يتمكن من إكمال النشرة بثقة.
كانت تلك الواقعة درساً مهنياً مزدوجاً؛ الأول أن الإعلامي الحقيقي يجب أن يكون مستعداً دائماً لتحمل المسؤولية، والثاني أن المؤسسات الناجحة تصنع الكفاءات بروح الفريق لا بروح المنافسة.
جيل العمالقة
ينتمي غازي فيصل إلى الجيل الذهبي الذي ضم أسماء كبيرة مثل إبراهيم الزبيدي، وحسين حافظ، وموفق السامرائي، ومحمد علي كريم وغيرهم من المذيعين الذين شكلوا هوية الإذاعة العراقية في الستينيات والسبعينيات. وكان يؤكد دائماً أن العمل وسط تلك القامات المهنية لم يكن امتيازاً فحسب، بل كان مدرسة يومية يتعلم فيها الجميع من بعضهم البعض.
لقد كانت المنافسة آنذاك قائمة على تطوير الأداء، وليس على البحث عن الشهرة، ولذلك خرجت الإذاعة العراقية بأجيال متعاقبة حافظت على مستواها المهني الرفيع.
من قارئ أخبار إلى إعلامي ميداني
لم يكتف غازي فيصل بالجلوس داخل الأستوديو، بل كان يؤمن بأن المذيع الحقيقي ينبغي أن يكون حاضراً في الميدان.
ولهذا شارك في تغطية العديد من مؤتمرات القمة العربية، وأسهم في أعمال اتحاد الإذاعات العربية واتحاد الإذاعات الإسلامية، كما رافق العديد من المناسبات السياسية والثقافية الكبرى.وقد أتاح له ذلك الاحتكاك المباشر بعدد كبير من القادة والمسؤولين والمثقفين والإعلاميين العرب، فازدادت خبرته واتسعت رؤيته لدور الإعلام في بناء العلاقات بين الشعوب.كما شارك في نقل مناسك الحج وشعائره من الديار المقدسة إلى المستمع العراقي، وهي مهمة كانت تحتاج إلى دقة لغوية وروحانية عالية، فضلاً عن قدرة كبيرة على الوصف المباشر.
ياسر عرفات.. حوار الذاكرة
على امتداد سنوات عمله أجرى غازي فيصل عشرات المقابلات مع شخصيات عربية وعراقية بارزة، غير أن حواره مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بقي الأقرب إلى ذاكرته.
ولم يكن سبب ذلك الموقع السياسي للرئيس الفلسطيني فحسب، وإنما شخصيته الحوارية الفريدة.
كان عرفات، كما يصفه غازي فيصل، يمتلك قدرة استثنائية على تطعيم الحديث بالطرافة والذكاء وسرعة البديهة، الأمر الذي يجعل الحوار معه ممتعاً وغنياً، ويمنح المحاور شعوراً بالارتياح مهما بلغت حساسية الموضوعات المطروحة. وتكشف هذه الشهادة عن قدرة غازي فيصل على قراءة الشخصيات، وعدم الاكتفاء بإدارة الحوار بصورة تقليدية.
رجل الإدارة وصانع الأجيال
بعد سنوات طويلة أمام الميكروفون انتقل غازي فيصل إلى مواقع المسؤولية الإدارية..ولم ينظر إلى الإدارة بوصفها منصباً، بل عدّها مسؤولية تربوية. وكان يؤمن بأن نجاح المؤسسة الإعلامية يقاس بقدرتها على صناعة البدائل، ولذلك اهتم بإعداد أجيال جديدة من المذيعين، والمراسلين، ومعدي البرامج، والمحررين، ومقدمي البرامج.
لقد كان يرفض فكرة الاعتماد على الأسماء الفردية، ويرى أن المؤسسة القوية هي التي تمتلك خطوطاً متعددة من الكفاءات تستطيع مواصلة العمل مهما تغيرت الظروف.
وهذه الفلسفة الإدارية كانت سبباً في رفد الإذاعات العراقية بكفاءات متميزة ظلت تعمل لسنوات طويلة.
لماذا اقترن اسمه بالبرامج الدينية؟
إذا ذكر اسم غازي فيصل تبادر إلى الأذهان مباشرة البرامج الدينية. غير أن هذا الاقتران لم يكن نتيجة الصدفة، بل جاء ثمرة ثقافة واسعة، وتمكن لغوي، وإيمان عميق بأن الخطاب الديني ينبغي أن يقدم بلغة هادئة بعيدة عن الانفعال والمبالغة.
كان يحرص على أن تكون المادة الدينية مادة معرفية وتربوية في الوقت نفسه، وأن تقدم للمستمع بصورة رصينة تحترم عقله وتلامس وجدانه. ولهذا أصبح صوته مألوفاً في المناسبات الدينية، ونقل الشعائر الإسلامية، وبرامج الثقافة الإسلامية، حتى تحول إلى أحد أبرز الأصوات التي ارتبطت بهذا اللون من البرامج في تاريخ الإعلام العراقي.
فلسفته في نجاح المذيع
كان غازي فيصل يرفض اختزال المذيع في كونه قارئاً للنصوص.. فمن وجهة نظره، فالمذيع ليس شهادة أكاديمية، بل منظومة متكاملة من المواهب والثقافة والخبرة.
وكان يؤكد أن نجاح المذيع يقوم على عناصر عدة، في مقدمتها سلامة اللغة، وحسن النطق، وسرعة البديهة، والثقافة العامة، والإحاطة بالشأن العام، إضافة إلى القدرة على التواصل الإنساني مع الجمهور.
ولذلك كان يكرر أن الصوت الجميل وحده لا يصنع مذيعاً ناجحاً، كما أن المعرفة وحدها لا تكفي إذا لم تقترن بحضور إذاعي مؤثر.
رؤية ناقدة للإعلام المعاصر
لم يكن الراحل غازي فيصل من الرافضين للتطور الإعلامي، لكنه كان يميز بوضوح بين التطور المهني والانحدار المهني. فقد رأى أن الإعلام الحقيقي هو الذي يخدم الإنسان ويعزز القيم ويقدم المعرفة، بينما كانت تؤلمه بعض الاتجاهات التي حولت الإعلام إلى سلعة تجارية تعتمد الإثارة على حساب الرسالة. وكان يعتقد أن الإعلام الهادف وحده يمتلك القدرة على البقاء.
أما الإعلام الذي يقوم على الإثارة الرخيصة فسوف يحقق انتشاراً مؤقتاً لكنه لن يصمد أمام الزمن.
عراق يسكن القلب
رغم استقراره في القاهرة خلال سنواته الأخيرة، بقي العراق حاضراً في وجدانه بصورة مؤثرة.
وكان يبدأ معظم أحاديثه بالسلام على بغداد والدعاء لأهلها، مؤكداً أن الوطن ليس مجرد مكان للإقامة، بل هو الهوية والذاكرة والانتماء.
ولم تكن تلك الكلمات خطاباً عاطفياً عابراً، بل كانت تعبيراً صادقاً عن رجل عاش عمره كله وهو يحمل العراق في صوته، وينقله إلى ملايين المستمعين داخل الوطن وخارجه.
خاتمة
لعل القارئ الكريم يشعر بوجود حنينية في كتابتي عن الراحل غازي فيصل، ذلك انه كان صديقي الحميم واخي الدائم كنا نلتقي يوميا ولا نتفارق إلا في سفر معين لهذا كانت معلوماتي عن الراحل متميزة بتفاصيلها خصوصية في اجزائها.
إن الحديث عن غازي فيصل لا يقتصر على استذكار سيرة مذيع ناجح، وإنما هو استذكار لمرحلة ذهبية من تاريخ الإعلام العراقي، كانت تقوم على احترام اللغة، والالتزام المهني، والثقافة الواسعة، والإيمان برسالة الكلمة..لقد ترك الراحل إرثاً مهنياً لا يقاس عدد البرامج التي قدمها أو المناصب التي شغلها، بل بما غرسه في نفوس الأجيال التي عملت معه، وبما قدمه للمستمع العراقي من نموذج للمذيع الوقور الذي جمع بين المعرفة والتواضع والالتزام.. وسيظل اسمه، مهما تعاقبت الأجيال، واحداً من أبرز الأصوات التي صنعت هوية إذاعة بغداد، ورمزاً للمذيع الذي حمل رسالته بإخلاص، فاستحق أن يبقى حاضراً في ذاكرة الإعلام العراقي بوصفه أحد رواده الكبار، وأحد الأمناء على الكلمة التي ظل يؤمن بأنها رسالة قبل أن تكون مهنة.