
الثابت في دول العالم، ومنها العراق، أن بناء الأسرة يبدأ بعقد الزواج، والذي عرَّفته المادة (3/أولًا) من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم (188) لسنة 1959 بأنه: «عقدٌ بين رجل وامرأة تحل له شرعًا، غايته إنشاء رابطة للحياة المشتركة والنسل.» وعلى هذا الأساس القانوني تُبنى الأسرة لتحقيق غايتين مشروعـتين: الحياة المشتركة، والنسل (إنجاب الأطفال)؛ لاستمرار الحياة.
وبعدها تتكون الأسرة، وبها تتشكل اللبنة الأولى في المجتمع، وهو ما أكدته المادة (29) من الدستور العراقي لسنة 2005 النافذ، إذ نصت على أن: «الأسرة أساس المجتمع، وتحافظ الدولة على كيانها وقيمها الدينية والأخلاقية والوطنية.»
وبما أن الإنسان بطبيعته كائنٌ اجتماعي لا يستطيع أن يعيش بمعزلٍ عن الجماعة البشرية، فلا بد من وجود ضوابط تنظم الحياة فيها، وهذه الضوابط والمعايير هي القيم الانسانية. (للتوسع في موضوع القيم: انظر مؤلفنا: د. عماد ويوسف خورشيد، نفائس قانونية وقيم انسانية، دار هاتريك للطباعة والنشر، اربيل، 2026، ص117). وفي حال الخروج على القيم، يستوجب الأمر وجود رادعٍ يضبط سلوك الفرد، ولا تتحقق حماية القيم إلا من خلال القانون الذي يكفل صونها ويضمن تطبيقها، والتي تدخل حيز التنفيذ من قبل السلطة القضائية الموقرة بوصفها الحامية للحقوق والحريات.
وربطًا بموضوعنا في هذا المقام، فإن الشخص إذا رُزق بمولود، فله الحق في تسميته بالاسم الذي يرغب فيه وفقًا للأعراف والعادات والتقاليد السائدة في محيطه، إلا أن هذه الحرية ليست مطلقة، بل هي مقيدة بألا يخالف الاسم الآداب والنظام العام في الدولة العراقية، وألا يترتب عليه ما يعرِّض الابن للاحتقار أو السخرية عند كبره.
وهذه الحماية التي قُررت للطفل حديث الولادة، الذي لا إرادة له في اختيار اسمه، قد كفلها قانون البطاقة الوطنية العراقي رقم (3) لسنة 2016، إذ نصت المادة (19/رابعًا) منه على أنه: «تمتنع السلطات الصحية والمديرية، بعد نفاذ هذا القانون، عن تسجيل اسم مولود إذا دلَّ على صفات بذيئة، أو كان مخالفًا للنظام العام أو الآداب، أو دلَّ على الحطَّة والإهانة.»
وبذلك، فإن المسؤولية تقع ابتداءً على الوالدين في اختيار اسم ذي معنى جميل لا يعرّض الابن للاحتقار في المجتمع. فإذا قدَّما اسمًا لا يعلمان معناه، انتقلت المسؤولية بعد ذلك إلى الموظف المختص بتدقيق الاسم وتمحيص معناه؛ حمايةً للمولود والمجتمع.
ولكن قد يتساءل البعض: ما الحل إذا كان اسمي سبباً في تعرضي للتنمر أو للإهانة أو الاحتقار من بعض أفراد المجتمع، أو كان مخالفا للآداب العامة؟
والجواب أن المشرع العراقي عالج هذه الحالة، إذ أجاز في المادة (21) من قانون البطاقة الوطنية المشار إليه أعلاه تبديل الاسم، وفق الضوابط المقررة في المادة (19) منه، وذلك لمرة واحدة فقط. ويتم ذلك عن طريق إقامة دعوى أمام محكمة الأحوال الشخصية، استنادا إلى المادة (22/ثالثا/ب) من قانون تسجيل الولادات والوفيات رقم (21) لسنة 2024 النافذ، شريطة وجود أسباب مقنعة تبرر طلب التبديل. وبعد اكتساب الحكم القضائي درجة البتات، يؤشر التبديل في السجل المدني، وتصدر بطاقة وطنية جديدة بالاسم المعدل. وتأسيسًا على ما تقدم، فإن الحرية ليست مطلقة، بل تقف عند الحدود التي تبدأ فيها حقوق الآخرين وحرياتهم. ومن ثم، فإن حق المجتمع في صون قيمه ضرورةٌ أساسية؛ لكونها إحدى دعائمه، حماها القانون لاستقرار الحياة، ومنها أن يكون للشخص اسم مقبول وحسن. لذا، ينبغي للزوجين أن يعلما أن حريتهما في ممارسة حقوقهما داخل الأسرة، ومنها اختيار أسماء أطفالهما، مقيَّدةٌ بالقيم الاجتماعية وأحكام القانون التي وُضعت لحماية الفرد والمجتمع. ولا يُعد ذلك تقييدًا تعسفيًا للحرية، وإنما هو تنظيمٌ لها؛ صونًا للمصلحة الفردية والعامة من آثار سوء الاختيار أو التصرف. ومن هنا، فإن من الضروري التحقق من معنى الاسم قبل تسمية المولود؛ تجنبًا للإشكالات التي بيَّناها آنفًا. وبهدف نشر الوعي القانوني وتثقيف الشباب المقبلين على الزواج والمتزوجين حديثًا، ولتقليل الأعباء على المجتمع ومؤسسات الدولة، كتبنا هذا الموضوع.