
يعود الرجل العنكبوت إلى الشاشة عبر «Spider-Man: Brand New Day»، في أول ظهور منفرد للشخصية بعد النهاية المفصلية لفيلم «Spider-Man: No Way Home»، حين اختفى بيتر باركر من ذاكرة الجميع وفقد الحياة التي عرفها. الفيلم من إخراج ديستن دانيال كريتون، وسيناريو كريس ماكينا وإريك سومرز، وبطولة توم هولاند إلى جانب زندايا، وسادي سينك، وجاكوب باتالون، وجون بيرنثال، ومارك رافالو. ويمتد إلى ساعتين و25 دقيقة مع تصنيف PG-13، واضعًا بطله أمام وضع لم يختبره من قبل: أن يعيش بوصفه الرجل العنكبوت طوال الوقت، بعدما كاد بيتر باركر أن يختفي من العالم.
تبدأ الحكاية في نيويورك التي لم تعد تعرف اسمه. مضت أربعة أعوام على أحداث الفيلم السابق، وأصبح بيتر شابًا يعيش وحده ويكرّس أيامه لملاحقة الجريمة، فيما يمضي أصدقاؤه القدامى في حياتهم من دونه. لكن عزلته لا تمنحه الهدوء، إذ يولد الضغط المتراكم تغيرًا جسديًا يهدد وجوده، بالتزامن مع جرائم غريبة تقود إلى خطر جديد. ومن هنا تصبح المواجهة اختبارًا لقدرة بيتر على الاحتمال قبل أن تكون صراعًا مع خصم قوي.
ما يمنح الفيلم ثقله أن العزلة تشكل أساس الرحلة كلها. عاش بيتر طويلًا بين هويتين: شاب يحاول الحفاظ على حياة طبيعية، وبطل مقنّع يحمل مسؤولية مدينة كاملة. أما الآن، فقد كادت الشخصية الخارقة تبتلع الإنسان تحت القناع. يعيد هذا التحول الفيلم إلى السؤال الذي رافق الرجل العنكبوت منذ ظهوره الأول: ماذا يبقى من بيتر باركر عندما تصبح المسؤولية أكبر من قدرته على الاحتمال؟ وبين الشوارع التي يحميها والوجوه التي لم تعد تتذكره، يبدو حاضرًا في المدينة وغريبًا عنها في آن واحد.
على مستوى التمثيل، يقدم توم هولاند أداءً أكثر نضجًا وهدوءًا من الأجزاء السابقة. تظهر آثار الوحدة في نظراته وطريقة حديثه، فيما تبقى خفة الظل جزءًا من بيتر من دون أن تقطع الإيقاع العاطفي. وتمنح زندايا وجاكوب باتالون المشاهد المشتركة ألمها الخاص، لأن حضورهما يذكّر بما خسره أكثر مما يعيد إليه حياته القديمة. أما جون بيرنثال ومارك رافالو، فيربطان الحكاية بعالم مارفل الأوسع من دون أن يزاحما بطلها على مركزها، بينما تدخل سادي سينك الفيلم بحضور غامض يدفع الأحداث إلى مسار مختلف.
فنيًا، يستفيد ديستن دانيال كريتون من نيويورك بوصفها جزءًا حيًا من الحكاية، فتعود المواجهات إلى الشوارع والأسطح والممرات الضيقة بعد الاتساع الكوني الذي هيمن على عدد من أفلام مارفل. تبدو مشاهد الحركة أكثر قربًا من جسد الشخصية، مع اهتمام بالسرعة والارتطام والخطر المباشر، وهو ما يمنحها ملمسًا أكثر خشونة من الاستعراضات الرقمية المعتادة. وفي اللحظات الأهدأ، يترك الإخراج مساحة لوحدة بيتر، محافظًا على التوازن بين بطل خارق يواجه أخطارًا كبيرة، وشاب عادي لا يعرف كيف يصلح حياته.
اختيار عنوان «Brand New Day» يحمل دلالة واضحة، فهو يستعير اسم مرحلة معروفة من قصص الرجل العنكبوت المصورة، ارتبطت بإعادة ترتيب حياة بيتر باركر بعد تغيرات قاسية. الفيلم لا ينقل تلك القصص حرفيًا، لكنه يلتقط فكرتها المركزية: بداية تأتي بعد خسارة كبيرة وتفرض على الشخصية بناء حياتها من جديد. لذلك يبدو العنوان مشرقًا في ظاهره، فيما تخفي الحكاية تحته قدرًا من المرارة؛ فاليوم الجديد لا يمحو الأمس، وكل خطوة إلى الأمام تظل محاطة بما تركه الماضي.
جماهيريًا، دخل الفيلم الصالات بزخم ضخم، وحقق في عطلة افتتاحه نحو 932 مليون دولار عالميًا، بينها 360 مليونًا في أميركا الشمالية.
وبهذه الحصيلة سجل ثاني أكبر افتتاح عالمي في تاريخ السينما، وأكبر افتتاح على الإطلاق في شباك التذاكر الأميركي. تعكس الأرقام قوة الشخصية بعد أكثر من عقدين من حضورها، كما تشير إلى أن أفلام الأبطال الخارقين ما تزال قادرة على جذب الجمهور حين تنطلق من حكاية شخصية واضحة.
في النهاية، يقدم «Spider-Man: Brand New Day» حكاية عن بطل يعرفه الجميع داخل القاعة، بينما لا يعرفه أحد داخل عالمه. وبين جسد يتغير، ومدينة تحتاج إليه، وأصدقاء أصبحوا غرباء، يجد الفيلم طريقه إلى جوهر الشخصية: شاب يدفع ثمن مسؤوليته كل يوم، ثم يرتدي القناع مرة أخرى. فالبداية الجديدة تعني العثور على طريقة للعيش بعد الماضي، وهذا ما يمنح رحلة بيتر باركر ثقلها الإنساني وسط الحركة والضجيج.