
تشهد عملية السلام الجارية منذ أكثر من عام ونصف العام، بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، تقدمًا كبيرًا هذه الأيام، وسط تساؤلات متزايدة عن المستقبل الذي ينتظر الأكراد في تركيا بعد نهاية الصراع المسلح بشكل رسمي ونهائي.
ويستعد البرلمان التركي في غضون أيام قليلة، لإقرار تشريعات تندرج ضمن إطار قانوني يحدد مصير قادة ومقاتلي ومعتقلي «العمال الكردستاني» ومن منهم يستطيع العودة إلى تركيا، بالتزامن مع تخلي الحزب عن السلاح.
وكشفت تقارير إعلامية تركية أن «العمال الكردستاني» أخلى في الفترة الماضية 81 معسكراً وموقعاً له قرب الحدود التركية العراقية وانسحب مقاتلوه نحو معقل الحزب الرئيس في جبال قنديل على الحدود بين العراق وإيران؛ ما يعكس التزامن في الخطوات بين الطرفين.
يضع التقدم في الملف الأمني والعسكري والقانوني، عملية السلام في إطارها السياسي الأوسع، الذي يتعلق بتطلعات الأكراد في تركيا مع وعود وخطط تعزيز الديمقراطية والمواطنة المتساوية التي تمثل الهدف البعيد للمسار الجاري بين أنقرة و»العمال الكردستاني».
وقال النائب الكردي في البرلمان التركي، بيردان أوزتورك، إن الجانب الأكثر جوهرية في عملية السلام الجارية بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، هو التحوّل الديمقراطي، معتبرًا أنه لم يخطُ بعد الخطوات الملموسة التي ينتظرها المجتمع.
وأضاف أوزتورك، وهو نائب عن مدينة ديار بكر في جنوب تركيا، في حديث لـ «إرم نيوز»، أن تحوّل مسار السلام الجاري منذ أكثر من عام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، إلى سلام دائم يحتاج إلى كفالة الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في اللغة الأم، عبر ضمانات دستورية واضحة.
وأوضح العضو البارز في حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (ديم)، أن ما يحتاج إليه مسار السلام الحالي لكي يتحوّل إلى سلام دائم هو منظور شامل للديمقراطية يكفل ترسيخ السلام الاجتماعي على أسس قانونية.
تسعى أنقرة أوَّلًا إلى تثبيت نزع السلاح وإنهاء البنية العسكرية لحزب العمال الكردستاني قبل الانتقال إلى الملفات السياسية التي تشكل المطلب الأوسع للأكراد المطالبين بإصلاحات دستورية وقانونية تعالج جذور القضية الكردية.
والاسم الرسمي لعملية السلام هو «تركيا خالية من الإرهاب»، وهو ما يجنب الحكومة التركية إظهارها أمام الشارع، ولا سيما التيارات القومية، في موقف المفاوض مع حزب العمال الكردستاني بعد أربعة عقود من الصراع المسلح وعشرات آلاف الضحايا المدنيين والعسكريين من الطرفين.لكن التحالف الحاكم بقيادة حزب العدالة والتنمية قطع في الوقت ذاته، مرحلة متقدمة في مشروع وضع دستور جديد لتركيا، بدلًا من الدستور الحالي الذي وُضع بعد انقلاب 1980، والذي سيكون حاسمًا في تحديد مدى رضا الأكراد من خلال مواده المتعلقة بالاعتراف بهويتهم القومية واللغة الأم للأكراد.
ويأمل الأكراد أن يتضمن النص الجديد مفهومًا أكثر شمولًا للمواطنة، ويقلل الطابع القومي الصارم، ويوسع الاعتراف بالتعدد الثقافي واللغوي، دون المساس بوحدة البلاد.
وتواجه هذه المطالب معارضة قوية من الأحزاب القومية، وبينها حزب «الجيد» الذي رفض الانخراط في عملية السلام من الأساس، وهو ما يفسر إطلاق الحكومة الدعوة لعملية السلام عبر حليفها حزب الحركة القومية وزعيمه دولت بهتشلي الذي يحظى بتأييد واحترام كبيرين بين القوميين.
وكشفت رسالة جديدة لزعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، أنه يعتبر نجاح مسار السلام الجاري بين حزبه وأنقرة، مقدمة للوصول إلى «جمهورية ديمقراطية» تنعكس على جميع من يعيشون على أرضها.
وقال أوجلان المسجون مذ 27 عامًا في تركيا، إن «طريق الألف كيلومتر يبدأ بخطوة» مضيفًا: «نحن في بداية مسيرة ديمقراطية لا تقل أهمية عن الجهود التي بُذلت عند تأسيس الجمهورية (عام 1923)».
ومن شأن قدرة الدولة التركية على صياغة دستور يحقق قدرًا من تطلعات الأكراد، يكون مرضيًا لهم، دون أن يصطدم بالحساسيات القومية العميقة التي لا تزال تحكم جزءًا كبيرًا من الحياة السياسية في البلاد، أن تقود لسلام دائم تحتاجه أنقرة الساعية لنفوذ سياسي واقتصادي إقليمي.