
مشاهدات وتحليل/ محمد عماد زبير
انتهت مواجهة العراق وفرنسا، لكنني لم أكن مستعداً لمغادرة المكان سريعاً، حملت حقيبتي التي كانت تضم بعض المعدات الخاصة بالعمل، واتجهت نحو الممرات الخلفية للملعب. كانت الحركة قد بدأت بالاختفاء تدريجياً، والجماهير غادرت المدرجات، ولم يبقَ سوى بعض أفراد الأمن المنتشرين في أرجاء المكان.
في تلك اللحظة وجدت نفسي وحيداً تقريباً أمام ملعب شهد واحدة من أكثر مباريات كأس العالم استثنائية… المباراة التي أصبحت صاحبة الرقم القياسي كأطول مباراة في تاريخ البطولة بسبب فترة التوقف الطويلة نتيجة الأحوال الجوية. طلبت من رجال الأمن السماح لي بالدخول إلى أرضية الملعب لالتقاط بعض الصور التذكارية، وكانت لحظة لا يمكن نسيانها.
ملعب صامت
صمت مطبق يخيّم على المدرجات، لا هتافات، لا أعلام، لا ضجيج جماهيري… فقط مستطيل أخضر يحتفظ بذكريات ليلة تاريخية، وقفت أتأمل المكان، وأستعيد المشاهد التي مرت قبل ساعات؛ هنا دخل العراق لمواجهة فرنسا، هنا ارتفع صوت الجماهير، وهنا كتب المنتخب جزءاً جديداً من حكايته في كأس العالم.حتى المرمى كان قد أُزيل من مكانه، ليصبح المشهد أكثر تجرداً… ملعب واسع، ومدرجات صامتة، وذكريات لا تزال حاضرة، كانت صورة مختلفة تماماً عن تلك التي عشناها قبل صافرة البداية.
رحلة جديدة
عدت إلى الفندق في وقت متأخر، لكن التفكير كان قد بدأ بالمرحلة التالية، كانت الخطة واضحة: السفر صباح اليوم التالي بالقطار من فيلادلفيا إلى واشنطن، لم تكن واشنطن محطة عبور فقط، بل كانت موعداً للقاء أصدقاء جمعنا بهم طريق طويل من العمل والذكريات، قبل أن نبدأ معاً رحلة جديدة بالسيارة نحو تورنتو، حيث ينتظر المنتخب العراقي مواجهته الثالثة أمام السنغال.
هؤلاء الشباب لم يكونوا مجرد رفاق رحلة، بل جزءاً من قصة توثيق المنتخب العراقي عبر السنوات.
رفاق العدسة
من بين هؤلاء الأخوان طيف ووفاق، اللذان تربطني بهما علاقة تمتد إلى سنوات طويلة. كانت البداية الأولى في كأس آسيا بأستراليا عام 2015، عندما كانا يوثقان بعدساتهما لحظات لا تزال عالقة في ذاكرة الجمهور العراقي خلال تلك المشاركة التاريخية لأسود الرافدين، تجدد اللقاء لاحقاً في كأس آسيا 2019 بأستراليا، ضمن عمل جمعنا عبر موقع اللاعبين المحترفين العراقيين (Pro Player)، جمعنا انذاك الاخ يوسف الخفاجي لتستمر بعدها العلاقة خارج إطار العمل، ومن خلال هذه الدائرة، تعرفنا على أصدقاء جدد يشاركوننا الشغف نفسه؛ الأخ علي المصور، والأخ محمد المشهداني، إضافة إلى زميلي المصور عمار سعد.
مجموعة مختلفة الشخصيات، لكنها تحمل هدفاً واحداً… دعم المنتخب العراقي، وعدم تفويت فرصة تاريخية لتوثيق مشاركة لن تتكرر كثيراً.
قلب واشنطن
وصلنا إلى محطة واشنطن الرئيسية بعد رحلة قطار استغرقت نحو ساعتين، وكان معنا أيضاً الصحفي سجاد إسماعيل، الذي كان متجهاً إلى المدينة نفسها، وبمجرد خروجنا من المحطة، ظهر أمامنا مشهد معماري شهير بقبة بيضاء ضخمة دونها الأخ سجاد بلقطة سيلفي نشر عبر حسابه وشاركناه ذلك ، للحظة، قد يعتقد الزائر أنها البيت الأبيض، لكنها في الحقيقة كانت قبة مبنى الكونغرس الأمريكي، أحد أبرز معالم العاصمة، هناك انتظرنا صديقنا وفاق، الذي كان في نهاية يوم عمله، ليأخذنا بسيارته إلى مقر إقامتنا في ولاية فيرجينيا، لكن الوصول إلى الفندق لم يكن نهاية اليوم بل كانت بدايته.
خلال ساعات المساء، اصطحبنا وفاق في جولة بين ضواحي واشنطن، والتقينا عدداً من أصدقائه. مرة كانت تجمعنا طاولة عشاء، ومرة أخرى جلسة قهوة بسيطة، وفي كل لقاء كنا نكتشف وجوهاً عراقية جديدة تحمل الكثير من المحبة والكرم.
كان أجمل ما في تلك اللقاءات أنها عكست صورة جميلة عن العراقيين في الغربة؛ شباب متفانون، ناجحون، ومتمسكون بهويتهم وأصالتهم.
امتدت الساعات حتى وقت متأخر من الليل، قبل أن نعود إلى الفندق لنأخذ قسطاً من الراحة استعداداً ليوم جديد.
جولة العاصمة
في صباح اليوم التالي، جاء موعد استكشاف واشنطن ، اصطحبنا الصديق علي في جولة جميلة بين أبرز معالم المدينة، بعد أن جمعتنا معه مائدة إفطار بدأت بها تفاصيل يوم مختلف. شاهدنا المباني التاريخية، والشوارع التي تحمل ذاكرة سياسية وثقافية كبيرة، قبل أن ننتقل إلى منطقة الـFan Zone الخاصة بجماهير كأس العالم.
ورغم أن أجواء البطولة كانت مستمرة، فإننا اخترنا متابعة مباراة المغرب وهايتي من أحد المقاهي العربية التي كانت تجمع الجالية المغربية.هناك، جاءت مفاجأة جميلة. من دون ترتيب مسبق، التقينا بالفنان حسن، أحد أعضاء فرقة يو تي إن وان، وكذلك الفنان العراقي بسام مهدي، كان اللقاء مزيجاً بين الرياضة والفن، فتحدثنا عن أجواء المونديال، وعن حضور الفنانين لدعم المنتخب العراقي، وعن المشاعر التي يعيشها العراقيون والعرب خلال هذه البطولة.
طريق تورنتو
مع حلول الليل، بدأ العد التنازلي للمرحلة الجديدة ، كان موعد الانطلاق من فيرجينيا قرابة منتصف الليل، والوجهة هذه المرة: تورنتو. لم نتوجه إلى المطار من أجل رحلة جوية، بل لاستلام السيارة التي تم حجزها مسبقاً من مكاتب تأجير السيارات. كان الاختيار مدروساً، فعددنا سيكون خمسة أشخاص، وربما ينضم إلينا شخص سادس، إضافة إلى أن الرحلة ستستغرق قرابة عشر ساعات، لذلك كان لا بد من سيارة مريحة تناسب المسافة الطويلة.
حملنا الحقائب، وتجهزنا لطريق جديد.
رحلة برية طويلة تحمل الكثير من التفاصيل، والكثير من الحكايات. لكن قصة الطريق إلى تورنتو… وما حدث خلال الساعات العشر للوصول إلى مواجهة العراق والسنغال، ستكون لها حكاية أخرى.