
في ذلك الشارع، لم يبق شيء على حاله..
البيوت التي يجانب احدها الآخر كما الإخوة، أشجار النخيل ترفف على طول الحي وحين يشهد الحي ولادة بيت جديد، كأن البيوت الأخرى كما الأخوة الأكبر يتبارون في التعبير عن مظاهر الفرح مبشرين بمولود جديد. ويمر الزمن وتتغير ملامح أهلها فتزول دهانات وتتهاوى جدران وترتفع طوابق وتستبدل أبواب وتطلى نوافذ، حتى بيتنا لم ينجُ من التغيير. وتتعاقب الأجيال، وحده بيت الحاج عبود بقي كما هو.. جدرانه المتعبة، بابه القديم، وساحته الصغيرة التي كانت تستقبل الجيران كل مساء خميس لإقامة مجلس الإمام الحسين.. كأن الزمن مرَّ على الجميع وتوقف عند ذلك البيت. ثم رحل الحاج عبود، لكن بيته لم يرحل.
كلما مررت به، شعرت أن البيت لا يزال ينتظر صاحبه، وكأن الرجل خرج قبل قليل وسيعود بعد صلاة المغرب.
لم أعرف يوم وفاته إلا متأخرًا. كنت في المنفى، فوصلني الخبر باردًا كما تصل أخبار الأوطان إلى المنفيين. حزنت، ليس لأن رجلاً صالحا مات فحسب، بل لأن رجلاً عاش عمره يبحث عن إجابات، ورحل دون أن يجد واحدة منها.
كانت أولى ضرباته الكبرى يوم استشهد ابنه الشاب في حرب عبثية استمرّت ثماني سنوات.
التحق الابن بالواجب بعد اجازة قصيرة لم يشعر بها حتى، خرج مرتديا بزته العسكرية، ولم يعد.
بقي الحاج عبود يسأل بصمت: «من اجل ماذا مات ابني؟ ومن أجل ماذا كانت هي الحرب؟ ومن الذي ربحها؟ وكيف انتهت سنوات الحرب الثمانية؟» كما لو كانت كابوسا في منام، وحين يصحو النائم يعرف ان حشودا من الشهداء في أعمار الزهور رحلوا إلى الأبدية!
لم يكن رجل سياسة، ولم يكن يقرأ البيانات العسكرية. كان أبا صالحا يريد فقط أن يفهم لماذا عاد ابنه في صندوق ملفوفا بعلم.. ولم تمضِ فترة طويلة حتى رحلت زوجته.
لم تحتمل فاجعة ولدها، فذبلت كما تذبل الأشجار حين تجف مياه الأرض… ماتت وتركته وحيدا أمام بيت مليء بالحزن والاسى.
لم يكن أمامه إلا أن يتزوج مرة أخرى، لا بحثاً عن بداية جديدة، بل بحثا عن من ينسيه وحشة الفقدان..
جاء الحصار، وجاء المرض، وجاءت سنوات صار فيها الدواء أمنية، والطعام رفاهية، والحياة نفسها مؤجلة.. وفي تلك السنوات، رحل ابنه الأكبر بعد صراع مع المرض.
لم يكن الحاج عبود يعرف معنى العقوبات الدولية، ولا تفاصيل قرارات الأمم المتحدة، ولا ما يسمى (البند السابع). كل ما كان يعرفه أن ابنه مات، وأن الدواء الذي كان يمكن أن ينقذه لم يصل في الوقت المناسب.
ثم جاءت الضربة الثالثة.. ابنه حسين، الذي حاول أن يوفر الكهرباء لعائلته بعد أن عجزت الدولة عن توفيرها، كان يدير مولدة البيت، كما فعل آلاف العراقيين. وفي لحظة غفلة، وبينما كان يزودها بالديزل وهي تعمل، اشتعلت النار فجأة، فالتهمت جسده المنهك بمرض السكري.. رحل حسين…
وربما بقي السؤال يطارد الحاج عبود حتى آخر أيامه: «لماذا كان ابني مضطرا لأن ينتج الكهرباء بيديه؟ ولماذا أصبح الحصول على ساعات من الضوء مغامرة قد تنتهي بالموت؟».. ولم تكن تلك النهاية.
فالابن الأصغر هو الآخر رحل بعد مرض أنهك جسده، ليجد الحاج عبود نفسه يقف أمام أربعة قبور، يحمل في قلبه من الألم ما لا تستطيع الجبال حمله.
أي أب يحتمل أن يدفن أبناءه الأربعة؟
أي قلب يستطيع أن يبقى نابضا بعد هذا كله، بلغ الحاج عبود التسعين من عمره.
صار يمشي ببطء، ويتكئ على عصاه أكثر مما يتكئ على جسده. كان وجهه أشبه بخارطة العراق؛ كل تجعيدة فيه تحكي حربا، وكل نظرة تختزن حصارا، وكل صمت يخفي نعشا.
ثم جاءه الموت أخيرا. وربما، وهو يغمض عينيه للمرة الأخيرة، لم يكن يسأل لماذا يموت هو، فقد بلغ من العمر ما يجعل الموت ضيفا متوقعا، بل كان يسأل السؤال نفسه الذي لازمه نصف قرن «لماذا مات أولادي؟ لماذا عاش العراق كل هذه المآسي؟ ولماذا كان العراقي دائما هو الذي يدفع الثمن؟».
اليوم، كلما مررت بذلك الشارع، لا تلفت انتباهي البيوت الحديثة، بل ذلك البيت القديم الذي لم يتغير.. أشعر أن العراق كله اختصر نفسه هناك.
في باب حديدي لم يُستبدل، وفي جدار أكلته الرطوبة، وفي نافذة ما زالت تنتظر رجلًا لن يعود.
ربما لم يعد بيت الحاج عبود مجرد منزل.. لقد أصبح وثيقة. وأصبح الحاج عبود، دون أن يدري، سيرة وطن كامل.
وإذا كانت الدول تُكتب تواريخها في الكتب، فإن تاريخ العراق كُتب في أحيان كثيرة، على وجوه آباء مثل الحاج عبود… رجال لم يطلبوا من الحياة سوى أن يشيعهم أبناؤهم، لكنهم انتهوا يحملون أبناءهم إلى المقابر، واحدا بعد آخر، ثم رحلوا وهم يظنون أن الإجابات ستأتي بعدهم. وبقي بيت الحاج عبود واقفًا كما العراق؛ متعبا، مثقلًا بالندوب، لكنه يرفض أن يسقط.