رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
في حضرة المواقف يُعرف الرجال


المشاهدات 1023
تاريخ الإضافة 2026/08/05 - 10:13 PM
آخر تحديث 2026/08/05 - 11:57 PM

«ليس كل من جلس على كرسي القيادة قائداً، فالقادة الحقيقيون هم الذين يتركون أثراً في حياة الناس قبل أن يتركوا إنجازاً في دفاتر التاريخ».
في الحياة رجالٌ تُعرّفهم مناصبهم، ورجالٌ ترتقي مناصبهم بهم، والفئة الثانية هي الأندر لأنها لا تبحث عن الأضواء، بل تجعل من المسؤولية رسالة، ومن المنصب باباً لخدمة الناس، لا وسيلةً للتفاخر أو صناعة المجد الشخصي.
ومن بين الشخصيات التي تستحق التوقف عند تجربتها، يبرز رئيس اللجنة الأولمبية الوطنية العراقية، الدكتور عقيل مفتن، ليس لأن منصبه يفرض حضوره في المشهد الرياضي، بل لأن مواقفه الإنسانية جعلت اسمه حاضراً في ذاكرة كثير من الرياضيين، حتى باتت اللجنة الأولمبية، في عهده، بيتاً مفتوحاً لكل من طرق بابها باحثاً عن موقف أو سند.
لقد عرفته الرياضة العراقية مسؤولاً يواجه ضغوطاً لا تنتهي، وملفات معقدة، وتحديات كبيرة، لكنك كلما التقيته وجدته كما هو مبتسماً، هادئاً، بشوشاً، يستقبل الجميع بالوجه ذاته، من دون أن يفرق بين بطل سابق، أو لاعب شاب، أو إعلامي جاء يحمل همّ أحد الرياضيين. وهذه الصفات ليست مجاملة تُقال، بل حقيقة لمسها كل من تعامل معه عن قرب.
وأروي هنا موقفاً عشته بنفسي، لأنه خير من ألف وصف.
عندما اشتدّ المرض بالكابتن الراحل صالح حميد، وكان يرقد في أحد مستشفيات الهند بانتظار إجراء عملية جراحية، كنت على تواصل مع المدرب القدير راضي شنيشل، الذي بادر، مشكوراً، إلى جمع الأموال اللازمة لإنقاذ زميله، وفي الوقت نفسه، اتصلت بالدكتور عقيل مفتن، وأبلغته بتفاصيل الحالة.
لم يكن يبحث عن تفاصيل إدارية، ولم يسأل عن كتبٍ رسمية أو معاملات، بل جاءني صوته سريعاً وصادقاً قائلاً: «شنو يحتاجه الكابتن صالح؟…    آني موجود».
كان يومها خارج العراق في مهمة عمل، وطلب مني الانتظار حتى عودته. وما إن عاد، حتى قصدت مقر اللجنة الأولمبية، فاستقبلني بكل اهتمام، وقدم دعماً مالياً سخياً من دون تردد، وكأن الأمر يخص أحد أفراد عائلته. خرجت من عنده مباشرة، واتصلت بالكابتن راضي شنيشل، وسلمته المبلغ ليستكمل إجراءات علاج الراحل صالح حميد.
ذلك الموقف لم يكن استعراضاً أمام الإعلام، ولم يُنشر في بيان صحفي، ولم تُرفع له لافتة شكر؛ لأنه كان عملاً إنسانياً خالصاً، نابعاً من قناعة راسخة بأن الرياضي الذي خدم العراق لا يجوز أن يُترك وحيداً في ساعة الشدة.
ولأن أصحاب المبادئ لا تتغير مواقفهم، لم تكن تلك الحادثة استثناءً. ففي الأيام القليلة الماضية، تابعنا مبادراته الإنسانية تجاه الرياضي السابق في لعبة المصارعة الكابتن هيثم جلوب، إذ وجّه الأمين العام للجنة الأولمبية بمتابعة حالته الصحية والاطمئنان عليه، ثم جاءت مبادرته الكريمة بمتابعة الكابتن القدير حنون مشكور، لتتواصل سلسلة المواقف التي تؤكد أن باب اللجنة الأولمبية لم يعد مجرد باب لمؤسسة رياضية، بل أصبح ملاذاً لكل رياضي أنهكته الظروف.
إن المؤسسات الرياضية لا تُقاس بعدد البطولات التي تحققها فحسب، بل بقدرتها على حفظ كرامة أبطالها والوفاء لمن خدموا الوطن في ميادين المنافسة، فالميداليات تزين خزائن الإنجازات. أما المواقف الإنسانية فتخلّد أصحابها في ذاكرة الناس، لأنها تبقى حاضرة حتى بعد أن تنطفئ أضواء البطولات.
ولعل هذا هو السر الذي جعل الدكتور عقيل مفتن يحظى باحترام شريحة واسعة من الرياضيين؛ لأنه لم يتعامل معهم بمنطق الرئيس والمرؤوس، بل بمنطق الأخ والرفيق، والإنسان الذي يؤمن بأن الوفاء لمن صنعوا تاريخ الرياضة العراقية واجب لا يقبل التأجيل.
قد يختلف الناس حول الإنجازات الإدارية، فهذا أمر طبيعي في كل المؤسسات، لكنهم نادراً ما يختلفون على أخلاق الرجال، والأخلاق، في نهاية المطاف، هي الإرث الذي يبقى حين تنتهي المناصب، وهي الرصيد الذي لا تنال منه السنوات.
سيأتي يوم يغادر فيه كل مسؤول موقعه، ويبقى السؤال الذي يطرحه التاريخ دائماً: ماذا ترك وراءه؟
لذلك، لم أكتب هذه الكلمات لأن الدكتور عقيل مفتن يشغل منصب رئيس اللجنة الأولمبية، فالمناصب إلى زوال، وإنما كتبتها لأنني كنت شاهداً على مواقف إنسانية تستحق أن تُروى.


تابعنا على
تصميم وتطوير