رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
سبتة المحتلة وألغام الهروب من الوطن


المشاهدات 1087
تاريخ الإضافة 2026/08/08 - 9:50 PM
آخر تحديث 2026/08/09 - 7:28 AM

خلّفت الهجرة الجماعية للمواطنين المغاربة نحو مدينة سبتة المحتلة ركاماً هائلاً من الأسئلة الحارقة التي تباينت في شأنها الأجوبة وتعددت بصددها التحليلات والتقديرات، وهي القضية الكبرى التي تجاوز الاهتمام بها الرأي الوطني لتتحول إلى قضية من قضايا الرأي العام الدولي.
تناول هذه القضية الصادمة يجب أن ينطلق من العامل الجغرافي، لأن تغييب هذا العامل حاد بكثير من التحليلات عن السياق الحقيقي، حيث تم تقديم القضية في اتجاه هجرة آلاف المغاربة خصوصاً من الشباب من التراب المغربي نحو الأراضي الإسبانية التي يفصلها عرض بحر الأبيض المتوسط، والحال أن سبتة مدينة مغربية توجد ضمن التراب المغربي محاذية لمدن مغربية كثيرة تقع في شمال المغرب، ويفصلها عن التراب الإسباني البحر الأبيض المتوسط، وهي مدينة تعرضت أول الأمر إلى الاحتلال البرتغالي منذ حوالي خمسة قرون قبل أن تتنازل عنها البرتغال بدورها  لفائدة الاحتلال الإسباني في إطار تقسيم المستعمرات في العالم بين القوى الاستعمارية العالمية.
وهكذا فإن الصحيح في القول إن عشرات الآلاف من المواطنين المغاربة نزحوا في هجرة جماعية من مدينة مغربية خاضعة للسيادة المغربية إلى مدينة سبتة المغربية الخاضعة للاستعمار الإسباني، وهي بذلك مدرجة ضمن المنطقة الجغرافية للاتحاد الأوروبي. وأيضاً لا بد من التذكير أن الوصول أو الدخول إلى مدينة سبتة المغربية المحتلة، سواء بطرق شرعية أو عبر الهجرة النظامية أو غير النظامية، لا يعني بالضرورة التمتع بحرية التنقل فوق التراب الإسباني، بل إن التنقل من سبتة المحتلة في جنوب البحر الأبيض المتوسط إلى التراب الإسباني في شمال هذا البحر خاضع لإجراءات الدخول إلى التراب الإسباني، وهكذا فإن النزوح الجماعي للمغاربة تم من حيث المبدأ بين مدينتين مغربيتين، وأن الهدف الحقيقي من النزوح كان في حقيقته يرتبط بمحاولة الاقتراب ما أمكن من التراب الإسباني الحقيقي. 
هذا معطى جغرافي أساسي يفرض نفسه في سياق فهم حقيقة ما جرى، لكن مع كل ذلك قد تكون عناصر توقيت هذا النزوح الذي جاء في ظروف دقيقة تعيشها البلاد وسرعة تنفيذه في أقل من يوم واحد حيث تمكن ما يناهز 50 ألف مواطن من اجتياز الحدود الوهمية بما يوجد فيها من مئات قوات أمن  وجمارك من الجانبين بكل السهولة التي تمت فيها العملية، وكيف اتفقت هذه الحشود الهائلة من النازحين التي توافدت من مختلف مناطق المغرب المتباعدة ومن خارج المغرب، على موعد معين ومحدد لاقتحام الحدود البرية الوهمية أو عبر السباحة بحرًا على مسافة تناهز خمسمائة متر.. وأن السؤال المحوري والأساسي ينحصر أساسًا في الأسباب الحقيقية لهذا النزوح، وكيف يمكن فهم مغامرة مواطنين بأرواحهم في عرض البحر ومن خلال أخطار الهجرة غير النظامية، وهل المغرب تردت فيه الأوضاع بهذا الشكل المريب الذي يدفع المواطنين إلى الهروب من وطنهم، وإن تطلب الأمر المقامرة بحياتهم؟.. هذا هو السؤال المحير فعلاً الذي تصعب عملية صياغة جواب مقنع له.لكن مع كل التطور وهذا النمو المضطرد، فإن عملية النزوح الأخيرة تؤشر على خلل ما يجبر المواطن المغربي على الهروب من أرضه والنفور من وطنه، ولذلك لا يمكن فهم هذه المقاربة الصعبة إلا في إطار الاختلالات العنيفة في توزيع عائدات هذا النمو والتطور على عموم المواطنين، وأن أعداداً كبيرة من المغاربة لا تصلها نعمة النمو والتطور، ولا تلمسها في حياتها اليومية، وأن انتشار الاستفادة من هذه النعمة يقتصر على جزء من المواطنين، بينما المغاربة في البوادي والأحياء الهامشية، وفي المغرب العميق، تظل محرومة من آثار نعمة نمو الثراء الوطني، أو على الأقل تقتصر استفادتهم على الفتات مما تبقى.. هنا نتحدث على العدالة الاجتماعية وعلى الكرامة الإنسانية، بما يولد منسوباً عاليًا مدفوناً في دواخل المواطنين البسطاء من القلق والغضب والتذمر، والذين ينتهزون أول فرصة تبدو متاحة للهروب من اللاكرامة واللاعدالة.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير