رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الفساد والتصريحات المدفونة


المشاهدات 1058
تاريخ الإضافة 2026/08/08 - 10:09 PM
آخر تحديث 2026/08/09 - 7:29 AM

تداول ناشطون ومتابعون للشأن العراقي خلال الايام الماضية مقطع فيديو يعود الى اعوام مضت  يظهر فيه السياسي الراحل احمد الجلبي وهو يتحدث عن مستقبل الاقتصاد العراقي ومخاطر التوسع المستمر في التوظيف الحكومي، وفي ذلك اللقاء اطلق الجلبي تحذيرات اعتبرها كثيرون آنذاك مبالغا فيها او سابقة لأوانها لكنه كان يرى ان استمرار الدولة في الاعتماد على النفط كمصدر شبه وحيد للايرادات مع التوسع المتواصل في الاقبال على التعيينات والوظائف  الحكومية سيقود العراق الى تحديات مالية واقتصادية معقدة في المستقبل.
منذ السنوات الاولى التي اعقبت عام 2003 حذر الجلبي من ان معالجة البطالة عبر التوظيف الحكومي وحده قد توفر استقرارا مؤقتا لكنها لن تصنع اقتصادا قادرا على النمو والاستدامة، وكان يؤكد ان الدولة لا تستطيع الاستمرار الى ما لا نهاية في تمويل جهاز اداري متضخم من مورد واحد يخضع لتقلبات الاسواق العالمية.
وخلال السنوات اللاحقة اعتمدت الحكومات المتعاقبة على ايرادات النفط لتمويل الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية، ومع كل ارتفاع في اسعار النفط كانت تتسع دائرة الإانفاق التشغيلي، وفي المقابل لم يشهد الاقتصاد العراقي نموا مماثلا في القطاعات الانتاجية كالصناعة والزراعة والسياحة والخدمات ما جعل فرص العمل الحقيقية خارج القطاع العام محدودة مقارنة بحجم الداخلين الى سوق العمل سنويا.
ومع مرور الوقت ترسخت لدى شريحة واسعة من المجتمع قناعة بأن الوظيفة الحكومية تمثل الخيار الاكثر امانا واستقرارا فتحول الحصول على درجة وظيفية الى هدف رئيسي لآلاف الشباب، ونتيجة لذلك ازداد عدد العاملين في مؤسسات الدولة بشكل كبير، بينما بقيت قدرة الاقتصاد على تمويل هذا التوسع مرتبطة بعوائد النفط واسعاره في الاسواق العالمية.
وكان الجلبي يشير الى ان الدول لا يمكن ان تبني مستقبلها الاقتصادي على مورد واحد معرض للتذبذب لان أي انخفاض في الاسعار او تراجع في الصادرات سينعكس مباشرة على قدرة الدولة في الوفاء بالتزاماتها المالية، لذلك دعا مبكرا  الى تنويع مصادر الدخل وتشجيع الاستثمار، وتفعيل دور القطاع الخاص وخلق بيئة اقتصادية قادرة على استيعاب الشباب بعيدا عن الاعتماد الكامل على التوظيف الحكومي.
واليوم، ومع تزايد الضغوط على الموازنة العامة وارتفاع حجم الانفاق التشغيلي، عادت تلك التحذيرات الى الواجهة من جديد فالتحدي لم يعد يقتصر على توفير وظائف جديدة بل اصبح يتعلق بقدرة الدولة على الحفاظ على التوازن بين الايرادات والنفقات وضمان استدامة الرواتب والخدمات الاساسية في المستقبل.
إن جوهر الرسالة التي كان يطرحها احمد الجلبي لم يكن رفض التوظيف الحكومي بحد ذاته بل التحذير من تحويله الى سياسة اقتصادية دائمة تستخدم لمعالجة كل الازمات، فالدولة القوية لا تقاس بعدد موظفيها وانما بقدرتها على انتاج الثروة وتنويع اقتصادها، وتوفير فرص العمل من خلال النشاط الاقتصادي الحقيقي، ولهذا تعود كلماته اليوم الى دائرة النقاش ليس بوصفها نبوءة سياسية بل باعتبارها قراءة مبكرة لمشكلة ما زال العراق يسعى الى ايجاد حلول جذرية لها حتى الآن.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير