رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
المذيعة صباح عباس رائدة صناعة الصوت والصورة على مدى عقود


المشاهدات 1053
تاريخ الإضافة 2026/08/09 - 10:31 PM
آخر تحديث 2026/08/10 - 6:29 AM

في إطار مشروعها التوثيقي الخاص باستعادة رواد الإذاعة والتلفزيون العراقي، تواصل «الزوراء»  فتح ملفات الرواد الذين أسهموا في صناعة الصوت والصورة الإعلامية العراقية على مدى عقود، مستعيدة معهم محطات العمل، وأجواء الاستوديوهات، وأسماء الذين صنعوا تلك المرحلة، فضلاً عن التحولات التي طرأت على المهنة ووسائلها.
وقد يرى بعض الزملاء أن التركيز على من أمضوا أكثر من أربعة عقود في المهنة قد يؤخر الالتفات إلى أسماء أخرى، خصوصاً أن ذاكرة الإذاعة والتلفزيون لا تختصر بالمذيعين وحدهم، وإنما تشمل المخرجين والكتاب والمعدين والفنانين والمصورين وسواهم ممن أسهموا في بناء التجربة الإعلامية العراقية. إلا أن توثيق سيرة الرواد لا يعني إغفال الآخرين، بل هو محاولة لاستعادة ذاكرة جيل كامل قبل أن تتوارى تفاصيلها مع مرور الزمن.
ضيفتنا هذا الأسبوع المذيعة الرائدة  صباح عباس، التي بدأت مسيرتها الإذاعية في نهاية عام 1974 من إذاعة صوت الجماهير، قبل أن تنتقل بين عدد من الأقسام الإذاعية، من المنوعات إلى الثقافة والتنمية والبرامج السياسية، ثم تحقق حلمها بالانتقال إلى قسم المذيعين عام 1985، لتدخل عالم النشرات الإخبارية والمواجيز، وتصبح واحدة من الأصوات المعروفة في الإذاعة العراقية.
في هذا الحوار، تستعيد صباح عباس بداياتها الأولى، وذكرياتها مع كبار المذيعين والمخرجين، ورهبة الوقوف أمام المايكرو فون، وأول نشرة إخبارية قرأتها، ومواقفها الطريفة والمحرجة داخل الاستوديو، فضلاً عن رؤيتها لواقع الإعلام العراقي اليوم.
البداية من صوت الجماهير
*  لنبدأ من البدايات. كيف دخلتِ عالم الإذاعة، وماذا تتذكرين من خطواتك الأولى؟
 ــ قبل كل شيء، دعني أوجه شكري إلى جريدة  الزوراء التي أعدها من أوائل الصحف التي اهتمت بتوثيق حياة رواد الإذاعة والتلفزيون العراقي من خلال صفحتكم ثقافة وفن، بدأت مسيرتي الإذاعية في نهاية عام 1974، وكانت إذاعة  صوت الجماهير  الحاضنة الأولى لي. بدأت في قسم المنوعات الذي كان يترأسه المذيع القدير موفق السامرائي، وهناك تعرفت إلى عدد من الزملاء والزميلات، من بينهم المذيعة ليلى الشيخلي، والمذيعة سامية عبد الحسين، والشاعر الراحل كاظم الركابي.
وكان للمخرج الإذاعي الراحل حلمي نوري فضل كبير في بدايتي، إذ سمح لي بدخول الاستوديو والاستماع إلى البرامج ومتابعة كيفية التقديم، وهي تجربة مهمة جداً لأي شخص يخطو خطواته الأولى في عالم الإذاعة، وبعد ذلك بدأت تقديم بعض البرامج الخفيفة، ومنها استعراض منهاج الإذاعة، ثم أخذت التجربة تتوسع تدريجياً.
قدمت برنامج  عشرة وخمسة مع الراحل حلمي نوري، ثم مع المخرج فائز جواد، كما قدمت برنامج  لقاء مع فنان ، وهو من البرامج التي أعتز بها لأنه أتاح لي لقاء عدد كبير من الفنانين العرب، مثل فريد شوقي، وعادل أدهم، ومريم فخر الدين، ومديحة يسري، والفنان السوري عبد المجيد مندوب، والفنانة هند أبو اللمع، بطلة مسلسل  عازف الليل .
كما أتيحت لي فرصة حضور بدايات تصوير فيلم  القادسية ، والتقيت خلال تلك المناسبة الفنان عزت العلايلي، والفنانة سعاد حسني، والمخرج الكبير صلاح أبو سيف. وقدمت أيضاً البرنامج الشعري الليلي بعد منتصف الليل، وبرنامج بطاقة فرح، وهكذا أمضيت ما يقارب خمس سنوات في قسم المنوعات.
بين المنوعات والثقافة
* بعد خمس سنوات في المنوعات، إلى أين أخذتك الرحلة؟ 
ــ صدر الأمر بنقلي إلى القسم الثقافي، وكان يترأسه آنذاك الشاعر الراحل صاحب خليل إبراهيم، ونسب إلي تقديم برنامج شاعر وقصة، الذي كان يعده الشاعر ناجي إبراهيم ويخرجه المخرج الراحل رياض عبد الأمير. ثم انتقلت إلى قسم التنمية، وكان يترأسه حينها الأستاذ كامل الفلاحي، كما قدمت بعض البرامج السياسية.
وهكذا وجدت نفسي أتنقل بين أقسام الإذاعة المختلفة، وكانت تلك التنقلات مدرسة حقيقية بالنسبة لي؛ لأن المذيع عندما يقدم المنوعات أو الثقافة أو البرامج السياسية يكتسب خبرات مختلفة، ويتعلم كيف يتعامل مع طبيعة كل برنامج ومضمونه وجمهوره.
* هل كان هذا التنقل بين الأقسام خياراً منك أم أنه كان جزءاً من طبيعة العمل الإذاعي آنذاك؟ 
ــ كان جزءاً من طبيعة العمل، لكنه في الوقت نفسه أفادني كثيراً. لم أكن أمانع في تقديم أي برنامج يوكل إليّ، لأنني كنت أرى أن المذيع الحقيقي يجب أن يكون قادراً على التعامل مع أكثر من لون إذاعي، وأن يظل مستعداً للتعلم والتجربة.
* ماذا تركت تلك التجربة في ذاكرتك كمذيعة؟ 
ــ تركت الكثير.. العمل الإذاعي داخل الاستوديو شيء، والاقتراب من الناس في مواقع الأحداث شيء آخر. هناك تشعر بأن الكلمة والصوت لهما مسؤولية أكبر، وأن المذيع لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل المؤسسة التي يعمل فيها والمهنة التي ينتمي إليها.
الحلم الكبير.. قسم المذيعين
* متى انتقلتِ إلى قسم المذيعين؟
ــ في عام 1985 بدأ تحقيق الحلم الكبير بالنسبة لي، عندما صدر قرار نقلي إلى قسم المذيعين، وهو القسم الذي كنت أراه ذا مكانة خاصة وقدسية مهنية لا يمكن تجاهلها.
كان يترأس القسم آنذاك اللغوي الكبير الأستاذ عبد السلام إبراهيم ناجي، وقد أسدى إليّ نصائح مهمة قبل دخولي استوديو البث. ومن أبرز ما نصحني به أن أقرأ القرآن الكريم بدقة وبصوت مسموع، لما لذلك من أثر في سلامة النطق ومخارج الحروف. وعندما دخلت الاستوديو للمرة الأولى كمذيعة ربط، شعرت برهبة كبيرة. المايكرو فون الذي كنت أراه من بعيد أصبح أمامي، حتى إنني كنت أسمع دقات قلبي قبل أن أسمع صوتي. لكنني تجاوزت تلك الرهبة، وبدأت بتقديم مواجيز الأنباء، وأنا أحمل حلماً كبيراً بأن أصبح يوماً من مذيعي النشرات الإخبارية.
ثم جاءت المفاجأة عندما صدر قرار بأسماء المذيعين المسموح لهم بقراءة النشرات الإخبارية، ووجدت اسمي بينهم. كانت لحظة لا يمكن أن أنساها.
* هل تتذكرين أسماء الزملاء الذين عاصرتِهم في قسم المذيعين؟
ــ تناوب الزميلان الراحل حسين حافظ والزميل نجم عبد الله على رئاسة قسم المذيعين. وكان معي عدد من الزملاء، منهم الراحل جودت كاظم عزيز، وسلام زيدان، وفارس البغدادي، والحاج سعدون عباس وغيرهم. ومن الزميلات المذيعة القديرة والصديقة خيرية حبيب، وراجحة صادق، ونوال عبد الكريم السماوي، وغيرهن كثيرات، ولا يسمح المجال لذكر الجميع.
* وماذا عن أول نشرة إخبارية قدمتِها؟
ــ لا تسعفني الذاكرة في تحديد تاريخ أول نشرة قرأتها، لكنني أعتقد أنها كانت نشرة الساعة السابعة مساءً، وكانت تتضمن الكثير من التصريحات والبيانات العسكرية.
أتذكر جيداً فرحتي وأنا أتوجه إلى قسم الأخبار لاستلام النشرة من المحررين، ثم أعود بها لقراءتها والتأكد من تفاصيلها، وبعد ذلك أتوجه إلى المشرف اللغوي المسؤول عن تشكيلها. وكنت، بصراحة، أتعب المشكل اللغوي بأسئلتي الكثيرة، لأنني كنت أريد أن أكون دقيقة في كل كلمة.
وبعون الله قدمت أول نشرة إخبارية بنجاح، وقد أقر هذا النجاح مدير الإذاعة آنذاك الأستاذ حامد الملا، والرائد الراحل حسين حافظ، والزميل خالد العيداني الذي كان قد تنبأ بنجاحي وأصر على أن يشهد تلك اللحظة.
المذيع واللغة والدقة
* كيف كنتِ تتعاملين مع الأخبار، خصوصاً عندما تكون هناك كلمة أو معلومة غير واضحة؟ 
ــ كنت حريصة في كل موعد للنشرة على قراءة الأخبار مسبقاً، والتأكد من خلوها من الأخطاء التي قد تحصل أثناء الطباعة. وإذا انتابنا شك في مضمون خبر، أو واجهتنا مفردة لا نعرف طريقة نطقها، أو حدث تغيير مفاجئ في موقف دولة ما، كنا نسأل ونتأكد.
ذكريات لم تكتمل
* هل أتيحت لك فرص للإيفاد خارج العراق أو التقديم في إذاعات عربية؟
ــ للأسف لم أحظَ بهذه الفرصة. كان من المقرر إيفادي إلى القاهرة، لكن اندلاع الحرب حال دون ذلك، ولذلك لم تتح لي فرصة التقديم في إذاعات عربية، وهو أمر كنت أتمناه حقاً.
وكانت هناك فرصة أخرى كادت تتحقق عندما عرض عليّ الكبير الراحل مهند الأنصاري، الذي ترأس إدارة الإذاعة في إحدى الفترات، أن أكون الراوية في أحد أعماله الإذاعية الدرامية، لكن القدر حال دون ذلك أيضاً.
التقدير والجوائز
* هل حظيتِ بالتقدير على ما قدمتِه طوال هذه المسيرة؟ 
ــ حصلت على العديد من كتب الشكر والهدايا خلال سنوات عملي، وكان أغلبها من وزارة الثقافة والإعلام ووزارة الدفاع آنذاك، تقديراً لتواصلي في تغطية جبهات القتال، فضلاً عن كتب الشكر التي حصلت عليها من المؤسسة ومديريها.
والتكريم الحقيقي بالنسبة للمذيع ليس في كتاب الشكر فقط، وإنما في أن يشعر بأن ما قدمه كان له أثر، وأن الناس ما زالوا يتذكرون صوته وبرامجه بعد سنوات طويلة.
* هل اقتصرت تجربتك على التقديم أم خضت تجربة إعداد البرامج أيضاً؟
  ــ لم تتح لي فرصة إعداد برنامج خلال عملي السابق، رغم أنني كنت أمتلك الرغبة والقدرة على ذلك. لكن بعد الاحتلال شاركت في تأسيس إذاعة المؤتمر، صوت المؤتمر الوطني العراقي عام 2005، وهناك انتقلت إلى مساحة أخرى من العمل، فقمت بتحرير النشرات الإخبارية وإعداد عدد من البرامج المنوعة والثقافية والدينية.
استمرت هذه التجربة نحو سبع سنوات متتالية، وكانت إضافة مهمة إلى مسيرتي؛ لأنها جعلتني أتعامل مع العمل الإذاعي من زاوية أخرى، لا من أمام المايكرو فون فقط، وإنما أيضاً من خلف النص والتحضير والإعداد.
حين تصبح الخبرة خارج المؤسسة 
* هل ما زلتِ تعملين في الإذاعة أو التلفزيون؟ 
ــ اعتزلت العمل الإذاعي قبل سنتين فقط من الآن.
* وماذا تفعلين اليوم بعد هذه السنوات الطويلة أمام المايكروفون؟ 
ــ ليس أمامي الآن إلا البقاء، كما هو حال الكثير من الزميلات القديرات، في البيت، بعد أن أصبحت الخبرة لا تعني الكثير في بعض المؤسسات. أقضي وقتي في مطالعة الكتب الأدبية والروايات، وأحياناً أطلق العنان لأناملي لتكتب بعض الخواطر القصيرة على صفحات التواصل الاجتماعي.
وأراقب، مع الأسف، ما آل إليه الإعلام العراقي من تراجع، خصوصاً بعض الإذاعات التي تقدم برامج أرى أنها بعيدة عن المستوى الذي عرفناه في الإعلام العراقي.
الإعلام العراقي بين الأمس واليوم 
*  أنتِ من جيل عايش مراحل مختلفة من الإعلام العراقي. كيف تنظرين إلى واقع المذيع اليوم؟ 
ــ ما يحز في النفس ويبكي له القلب وجعاً هو أن أرى الإعلام العراقي الرصين، وتحديداً الأسس التي يرتكز عليها عمل المذيعين، قد تراجعت إلى حد الانهيار في بعض الحالات.
لقد دخل إلى المجال أشخاص يحملون لقب إعلامي من دون أن يمتلكوا الحد الأدنى من مفاهيم الثقافة واللغة العربية والوعي المهني.. والمشكلة ليست في دخول جيل جديد، فهذا أمر طبيعي ومطلوب، وإنما في غياب التدريب والتأهيل والمعايير المهنية.
المطلوب ليس إغلاق الأبواب أمام الشباب، وإنما فتحها أمامهم بطريقة صحيحة، من خلال التدريب على أيدي أصحاب الخبرة، حتى لا تنقطع السلسلة بين أجيال الإعلام العراقي.
* هل حاولتِ تقديم مشروع عملي لمعالجة هذا الواقع؟ 
ــ نعم، التقيت العام الماضي وكيل وزارة الثقافة، وطرحت فكرة افتتاح إذاعة تضم بعضاً من الكادر الإعلامي الرائد، لتقوم هذه النخبة باختيار وتدريب جيل جديد وفق الأسس الصحيحة، بما يحافظ على رصيد الإعلام العراقي ويعيد له مكانته.
* بعد هذه المسيرة، ما الذي بقي في ذاكرتك من الإذاعة أكثر: البرامج أم الأشخاص؟ 
ــ الأشخاص بالتأكيد.. البرامج تنتهي، لكن الأشخاص الذين شاركوك الطريق يبقون في الذاكرة. 
أتذكر المخرجين والمذيعين والمعدين والكتاب والفنيين الذين تعلمت منهم الكثير. وأتذكر تلك الأجواء التي كانت تجمعنا داخل الإذاعة، حيث كان لكل شخص دوره ومسؤوليته.
ولهذا أرى أن توثيق ذاكرة الإذاعة والتلفزيون أمر مهم جداً. فحين يرحل أصحاب التجربة، ترحل معهم تفاصيل كثيرة لا يمكن استعادتها من الكتب وحدها. ولذلك أشكر الزوراء  على هذا المشروع الذي يمنحنا فرصة للحديث عن تاريخنا بأصواتنا.
رسالة إلى الأجيال الجديدة 
*  ماذا تقولين للمذيعين الشباب الذين بدأوا اليوم؟ 
ــ أقول لهم: لا تتعجلوا الوصول.. المذيع الحقيقي يبني نفسه بالقراءة والتدريب والخبرة. لا يكفي أن تمتلك صوتاً جميلاً أو حضوراً أمام الكاميرا.. عليك أن تعرف ماذا تقول، ولماذا تقوله، وأن تحترم اللغة والمهنة والجمهور.
الإعلام مسؤولية قبل أن يكون شهرة، والمذيع الذي يحترم نفسه يحترم الكلمة التي ينطق بها.


تابعنا على
تصميم وتطوير