
هل أصبح بعض المراسلين في القنوات الفضائية والمنصات الرقمية بحاجةٍ ماسة إلى تصحيح أوضاعهم التي يدّعون أنها (مهنية).؟ بمعنى آخر؛ هل بات بعض من يقدّمون أنفسهم بوصفهم (إعلاميين) بأمسّ الحاجة إلى (قوة شخصية) خاصة تُعيد ضبط طريقة عملهم، وتُهذّب أسلوب تعاملهم أثناء تأدية واجباتهم.!
ربما نسيّ البعض او تناسى، حدود عمله وأسلوب شُغله، بعد أن تلاشت حدود واجباته بين جرأة عمله ووقاحة تصرفه، وبين السؤال المهني والاستفزازي، وبين السبق الإعلامي واللهاث خلفه بطريقة أفقدت أهمية وقيمة ومكانة المراسل الذي يفترض به ان يكون أكثر دراية من غيره في تنظيم عمله.!
وفي الحقيقة فإن مهنية المراسل لا تُقاس بقدرتهِ على الوصول إلى المسؤول أولاً، ولا بسرعة طرحه للسؤال، ولا بقدرته على انتزاع إجابة تحت ضغط الكاميرا، لا ليس الامر هكذا، بقدر ما يملكه من مهنية ودراية ومعرفة قبل أن تكون حضوراً في الساحة، واتزانٌ قبل أن تكون جرأة، وموقفٌ قبل أن تكون مظهراً.
أجل.. هكذا عرفنا واجبات المراسل الصحفي، وما المطلوب منه ليس كاريزما تجعل المراسل أكثر حضوراً أمام الكاميرا، بل شخصية مهنية تَعرفُ متى تتقدم.. وكيف تتراجع.. وماذا تسأل.. وكيف تسأل.. وأين تقف حدود مهنيته عندما تحين اللحظة التي يتطلب فيها المهنية.للأسف، وبسبب محاولة البعض الحصول على السبق الإعلامي، أصبح بعض المراسلين يحاولون بشتى الطرق الوصول إلى المعلومة أولاً، حتى إن كان ذلك على حساب المهنية، ودقة المعلومة، واحترام السياقات والضوابط، دون ان يعرفوا أن السبق الحقيقي ليس أن تكون أول من يحصل على المعلومة، بل أن تكون أول من ينقل الحقيقة كما هي.
وبعد أن تحول السباق من التحقق إلى الاستعجال، ومن المهنية إلى اللهاث خلف الانفراد، اضحت المعلومة ضحيةً للسبق، وبات الإعلام جزءًا من صناعة الالتباس بدلاً من كشف الحقيقة كُلها.
وللامانة فإن الكثيرين غابت عنهم معرفة ان السبق الذي لا تحميه المهنية، قد يكون سبقاً في الخطأ، لا سبقاً في الخبر، رغم أن كل ما يحتاج إليه المراسل في يومنا هذا، هو لياقة بدنية تؤهله للركض خلف المسؤول، وسرعة في طرح السؤال وانتزاع للرد المباشر أياً كان الرد، وكاميرا تعمل باللمس، وميكروفون موجّه إلى الوجه، ومواصلة في الإلقاء دون أن يمنح لنفسه أو لضيفه فرصة للتفكير.
أما المعرفة وإعداد الأسئلة وفهم الموضوع والتحقق من المعلومة واحترام قواعد المهنة، فتلك تفاصيل يبدو أن البعض لم تعد تعنيه كثيراً.. ولذلك تحوّل بعض العمل الميداني من صحافة تبحث عن الحقيقة إلى سباقٍ محموم خلف لقطةٍ وانفرادٍ ومقطعٍ قابلٍ للتداول في المنصات والكروبات.
أما الاماكن، فحدث ولا حرج، إذ لم تعد عائقاً أمام مطاردة السبق الإعلامي، فالخبر يمكن انتزاعه في الشارع، أمام بوابة السيارة، عند باب الخروج، وقرب السلالم، وفي أي زاوية يمكن أن تلتقط فيها الكاميرا وجهاً أو تنتزع منه تصريحاً، دون أن يصبح المشهد محصوراً في قاعة المؤتمرات الصحفية، ولا في لقاءٍ مُعدّ سلفاً، فكل لحظة خروج أصبحت فرصة، وكل مسؤولٍ عابر هدفاً لسؤالٍ سريع، وكل إجابةٍ مقتضبة مادةً قابلة للنشر.
أقول.. إن المشكلة ليست في أن تبحث عن السبق، بل في أن يتحول السبق إلى غاية تُبرّر تجاوز أصول المهنة.. هذا هو باختصار مشهد اليوم الذي نعيشه صحافة تغيب عن الواجهة، وإعلام، بعضه رديء جداً، وبعضه بدا ينعش نفسه في محاولة منه للتقليد، لأن السياقات التي كان المجتمع عامة، والوسط الرياضي خصوصاً يفرضها، أصبح يتقبل هكذا حالات، وبكل رحابة أيضاً.