
المواطن الذي يقف أمام مستشفى بحثاً عن علاج، أو ينتظر ساعات أمام دائرة حكومية، أو يطفئ مولدته وسط انقطاع الكهرباء، لا يعنيه كثيراً أن يرى مسؤولاً غاضباً أمام الكاميرات. هو يريد نتيجة، يريد خدمة تصل إليه دون واسطة، ومؤسسة تعمل دون فوضى، ومسؤولاً يعرف ماذا يفعل قبل أن يرفع صوته.
منذ 2003، أُنفقت أموال هائلة، وتضخمت الموازنات، وأُعلنت مشاريع كثيرة، لكن السؤال ما زال قائماً: لماذا يشعر المواطن أن مستوى الخدمات لا يتناسب مع حجم ما أُنفق عليها؟
الجولات الميدانية مطلوبة، والنزول إلى الشارع خطوة إيجابية عندما يكون جزءاً من منظومة متابعة ومحاسبة، لكن تحويل الجولة إلى مشهد غضب أمام الكاميرا، ثم مغادرة المكان دون خطة واضحة وحلول قابلة للقياس، يحول الرقابة إلى عرض إعلامي مؤقت.
“أكشن الكاميرا” لم يعد مقنعاً للرأي العام. المواطن أصبح أكثر وعياً ويميز بين مسؤول يأتي لتشخيص الخلل ومعالجته، ومسؤول يأتي لصناعة مشهد. الصراخ لا ينتج كهرباء، والتهديد أمام العدسات لا يبني مدرسة، والانفعال لا يوفر دواءً، والتصريحات الحادة لا تعالج تراجع التعليم.
والسؤال الأهم: كم من مسؤول ينفق على الصفحات والمواقع ومنصات التواصل الاجتماعي، ويوجه الأموال لإنتاج الصور والمقاطع من نوع “صورني وأنا ما ادري ”، ليظهر أمام الناس وكأنه في حالة إنجاز دائم؟ التواصل مع الجمهور حق وواجب، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الإعلام إلى دعاية شخصية، وعندما تُستخدم موارد المؤسسة لصناعة “فخامة إعلامية” لمسؤول، بدلاً من تحسين المؤسسة وخدمة المواطن. وفي بعض الحالات قد تتحول هذه الهالة الإعلامية إلى استثمار سياسي وانتخابي مستقبلي ، سنوات من الصور والمقابلات والمقاطع تصنع اسماً وشخصية إعلامية، ثم تتحول هذه الشهرة إلى رصيد عند خوض الانتخابات. وهنا يجب أن يكون السؤال واضحاً: هل تُستخدم موارد الدولة لخدمة المواطن، أم لبناء صورة شخصية لمسؤول قد تصبح لاحقاً أداة انتخابية؟
والأمر لا يقتصر على المؤسسات الخدمية، وإنما يمكن أن يمتد إلى بعض المسؤولين في القطاع الرياضي. فقد يصنع بعضهم لنفسه مجداً رياضياً وإعلامياً دون منجز حقيقي يوازي حجم ظهوره، ودون أثر واضح في تطوير الجهة التي يديرها أو خدمة الرياضة العراقية. الصور مع الرياضيين، والمقابلات، والبيانات والمنشورات قد تكون كثيرة، لكن السؤال الحقيقي يبقى: ماذا تحقق على أرض الواقع؟
الرياضة لا تُقاس بعدد الصور، وإنما بالنتائج، وتطوير المواهب، والبنية التحتية، والبطولات، ودعم الرياضيين، وحضور العراق في المحافل الدولية. المنصب الرياضي مسؤولية، وليس منصة لصناعة النجومية الشخصية.
ومع ذلك، لا يصح تحميل جهة واحدة مسؤولية واقع امتد سنوات، ولا يجوز تحويل الحديث عن الفساد إلى اتهامات جزافية. الفساد ملف قضائي، ومن تثبت مسؤوليته يحاسب وفق القانون، ومن لم تثبت بحقه التهمة تبقى براءته مصونة. القضاء هو الفيصل، بعيداً عن التشهير والانفعال والاستثمار السياسي.
العراق يحتاج إلى تغيير في طريقة إدارة الدولة قبل تغيير واجهاتها: مسؤولين أكفاء، ومؤشرات أداء، وشفافية، ومحاسبة حقيقية، وربط المسؤولية بالنتيجة..المواطن لا يريد مسؤولاً غاضباً أكثر، بل دولة أكثر كفاءة. لا يريد كاميرا تلاحق الخلل، بل إدارة تمنع الخلل قبل وقوعه. ولا يريد أن تتحول أمواله إلى صور ومقاطع تصنع مجداً شخصياً لمسؤول.
حين تصبح الكاميرا شاهدة على الإنجاز لا صانعة له، وحين تتحول الأموال من أرقام في الموازنات إلى خدمات يلمسها المواطن، عندها فقط تنتهي مسرحية “أكشن الكاميرا” ويبدأ الإصلاح الحقيقي.