
شهدت الساحة الاعلامية خلال السنوات الاخيرة انتشارا لافتا لما يمكن تسميته بالاعلام الجوال وهو امر صحي في البلدان التي تنعم بالحرية في الظهور على وسائل الاعلام حيث نشاهد المراسلين وهم يتنقلون بين الشوارع والاحياء والاسواق بحثا عن نبض الناس والاستماع الى شكاواهم ومطالبهم ومواقفهم من مختلف القضايا، هذا النوع من التغطية يمتلك قدرة كبيرة على الوصول الى الجمهور خصوصا عندما تبث اللقاءات عبر الفضائيات ثم يعاد تداولها على منصات التواصل الاجتماعي فقد تتحول دقائق قليلة من حديث احد المواطنين الى مادة واسعة الانتشار ومتداولة او ما يسمى محليا [ ترند] وتصبح قضية صاحبها حديث الناس خلال ساعات لكن هذا الانتشار السريع يفرض مسؤولية اكبر على وسائل الاعلام والمراسلين لان البحث عن صدى الشارع لا ينبغي ان يتحول الى البحث عن اكثر القصص اثارة للمشاعر بصرف النظر عن حقيقتها او اثارها على الجمهور، ومن هنا تبرز الحاجة الى قدر من الفلترة المهنية والتدقيق قبل اعادة بث اللقاءات وتداولها خصوصا عندما تتضمن قصصا انسانية مؤثرة او ادعاءات تمس حياة اشخاص ومستقبلهم وسمعتهم او تأثيرا عاما بسمعة مجتمع امام المتصفح العربي، ومن بين الامثلة التي تستحق التوقف ظهور شاب في مقتبل العمر خلال الساعات الاخيرة وهو يتحدث عن ضياع مستقبله ويناشد الوصول الى والدته مدعياً قضاء سنوات طويلة في دور الايتام الامر الذي أثار تعاطفا واسعا لدى المتابعين ثم ليظهر لاحقا في مقطع اخر موضحا ان ما جرى لم يكن سوى مزحة بهدف اضحاك الناس، وفي وقت بدا فيه وحسب ادعائه ان المراسل كان على علم بطبيعة الامر وهنا لا تتعلق المسألة بالمزاح وحده بل بالسؤال عن المسؤولية الاعلامية تجاه مشاعر الجمهور، فالمشاهد الذي يتفاعل مع قصة انسانية مؤلمة يبني موقفه على اساس انها حقيقية وعندما يكتشف لاحقا انها كانت مجرد تمثيل او مزحة فإن الضرر لا يقع على المشاهد وحده بل يمتد الى الثقة بالاعلام وبالمحتوى الذي يقدمه.
وهناك حالات اخرى تستوجب الحذر كتصوير شخص مريض او كبير في السن وهو في حالة نفسية صعبة ثم تتحول كلماته الى مادة للتداول والسخرية، وكذلك مقابلات الاطفال او المراهقين في القضايا العائلية الحساسة او تصوير اشخاص يتحدثون عن خلافات اسرية او مشاكل اجتماعية من دون ادراكهم لحجم الانتشار الذي يمكن ان يصل اليه المقطع بعد ساعات، ومن الحالات التي تستحق الانتباه ايضا الشكاوى التي يطلقها بعض المواطنين ضد مؤسسات او اشخاص فقد تكون الشكوى حقيقية وتحتاج الى ايصالها للمسؤول لكنها قد تتضمن في الوقت نفسه معلومات غير مكتملة او اتهامات تحتاج الى التحقق قبل تقديمها للجمهور وكأنها حقائق ثابتة كما ان اقتطاع جزء من حديث المواطن من سياقه يمكن ان يغير معنى كلامه بالكامل خصوصا عندما ينتشر المقطع على منصات التواصل الاجتماعي بعيدا عن المقابلة الاصلية، وهنا تصبح مسؤولية المراسل والمؤسسة الاعلامية اكبر في تقديم الصورة كاملة وعدم صناعة الاثارة من خلال جملة او موقف مجتزأ، فالاعلام ليس مجرد كاميرا وميكروفون والمراسل ليس مجرد شخص يبحث عن لقطة تحقق المشاهدات هناك مسؤولية اخلاقية ومهنية تفرض التلأكد من مضمون المقابلة وعدم استغلال الحالات الانسانية لتحقيق الانتشار وعدم تقديم المواقف المصطنعة او المضللة على انها تعبير حقيقي عن الشارع، وفي المقابل لا يعني ذلك التضييق على المراسلين او منعهم من الوصول الى الناس على العكس فإن الاعلام الميداني القريب من المواطنين يمثل ضرورة مهمة لانه يكشف قضايا قد لا تصل الى المسؤولين عبر القنوات الرسمية لكن قوة هذا الاعلام يجب ان تكون في مصداقيته لا في حجم الضجة التي يصنعها، وتزداد اهمية هذه المسؤولية في المجتمع العراقي الذي مر بفترات طويلة من الالم وفقدان الاطفال والشباب والازمات الاجتماعية والانسانية التي تركت أثرا عميقا في نفوس الناس، لذلك فإن التعامل مع القصص ذات الوتر النفسي والانساني يحتاج الى قدر اكبر من المتابعة والانتباه لان ما قد يراه البعض مادة للترفيه او المشاهدة قد يمثل بالنسبة لآخرين جرحا عميقا او تجربة مؤلمة. إن الحاجة اليوم تكمن في تطوير قواعد مهنية واضحة للتعامل مع اللقاءات الميدانية والتأكد من الوقائع قبل نشرها خصوصا في القضايا الانسانية الحساسة مع تعزيز دور الموسسات الاعلامية في مراجعة المحتوى ومساءلة من يتعمد التضليل او التلاعب بمشاعر الجمهور، فالشارع يستحق ان يْسمع صوته لكن مشاعر الناس ليست مادة للترفيه وقصصهم ليست مجرد محتوى يبحث عن المشاهدات، فالاعلام الحقيقي هو الذي ينقل نبض الشارع كما هو، وليس الذي يصنع النبض ثم يقدمه للناس على انه حقيقة.