رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
محمد وهيب مسرحي عراقي جمع بين الإخراج والتمثيل


المشاهدات 1064
تاريخ الإضافة 2026/08/15 - 9:51 PM
آخر تحديث 2026/08/16 - 10:30 AM

ننتقل اليوم في هذه الحلقة من رواد المسرح العراقي الى البصرة المدينة التي تزخر بعطائها الفني والثقافي الثر ، البصرة مدينة بدر شاكر السياب وفؤاد سالم وقصي البصري .. ونذهب باتجاه فنان مسرحي رائد، وهو الفنان محمد وهيب الذي ولد في البصرة، ونهل من صفاء ماء شط العرب كل الحب والجمال، فراح يسعى بين ثقافاتها لتتشكل لديه بعدها ثقافة عالية في مجال المسرح، فقد تنقل بين الفرق المسرحية فيما بعد، بعد أن درس وتعلم على أيدي اساتذة محترفين كان لهم دور كبير في تشكيل ثقافة مدينة البصرة.

كانت البصرة منذ خمسينيات القرن الماضي واحدةً من أهم المدن الثقافية في العراق، مدينةً تشعّ بالفن والمسرح والفكر. في تلك العقود، كانت الحركة المسرحية البصرية تنمو بخطى واثقة، تُثريها مواهب شابة ونتاجات أكاديمية ورعاية من مؤسسات مدنية فاعلة، فكانت العروض تُقدَّم على خشبات واعدة تجمع الجمهور والنّقاد والمهتمين.
كما أن الخمسينيات والستينيات شهدت ولادة المسرح البصري في تلك الفترة، وبدأت ملامح المسرح الحديث تتشكل في البصرة عبر الفرق الأهلية والمدرسية، وكانت المسارح تحتضن الأعمال التي تُعنى بالإنسان والمجتمع والهوية، وكانت المدينة تستقبل وفودًا ثقافية عربية وعالمية، وكانت العروض المسرحية تُعد حدثًا جماهيريًا بانتظارٍ كبير، وفي السبعينيات العقد الذهبي بلغ المسرح في البصرة ذروته في السبعينيات، إذ ازدهرت قاعات العرض، وكثرت الفرق الفنية، وبرزت أسماء شكلت لاحقًا عماد الحركة الفنية العراقية، كان مسرح بهو الإدارة المحلية واحدًا من أعظم الصروح المسرحية في العراق، ارتقى خشبته كبار الفنانين العرب والأجانب، من مطربين ومسرحيين وفرق عالمية، وحتى أعمال شكسبير جاءت لتُعرض في قلب البصرة.
ويعد الفنان محمد وهيب أحد أبرز أعلام المسرح العراقي، حيث جمع بين الإخراج والتمثيل والإدارة الثقافية، وأسهم في ترسيخ حضور المسرح العراقي عربياً ودولياً، مقدماً أعمالاً حملت رسالة ثقافية وإنسانية تعبّر عن هوية بلاد الرافدين وطموحاتها الحضارية. 
واعتلى على خشبة المسرح لأول مرة عام 1958، وعمل الفنان الرائد الكبير محمد وهيب مخرجا وممثلا مسرحيا، وتخريج من معهد الفنون الجميلة في بغداد وتتلمذ على أيدي كبار التدريسيين من الفنانين العراقيين الكبار وهم :  جاسم العبودي - ابراهيم جلال - جعفر السعدي – بهنام ميخائيل، وشارك وهيب في العديد من المسرحيات منها: أبيض وأسود والزير سالم وهبط الملاك وعرس الأرض، إضافة إلى الأفلام مثل عفرة وبدر عام 1962 وفيلم الجسر عام 1980. 
 كما شغل منصب مدير الفرقة القومية في البصرة ثم مديرا للاستديو الانتقالي للتلفزيون فيها وهو عضو مؤسس في نقابة الفنانين العراقيين وشغل منصب النقيب فيها.
كانت مدينة البصرة التي قلما تجد فيها شارعا ليس فيه لافتة تشير إلى عمل مسرحي أو مهرجان فني أو شعري، والتي وصل عدد الفرق المسرحية فيها منتصف السبعينيات إلى أكثر من عشر فرق مسرحية كبيرة، منها جماعة البصرة للمسرح الحديث وفرقة مسرح الساعة وفرقة مسرح اليوم وفرقة البصرة للتمثيل التابعة لوزارة الثقافة. كما عرفت البصرة المسرح نحو منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، إذ يوجد نص مسرحي اكتشف في تلك الفترة عنوانه (الشيخ البصري والفتى العصري) محفوظ في مكتبة باشا عيان ويعود إلى عام 1862.
تمتلك البصرة تاريخا مشرقا في هذا المجال، وكان المسرح يقدم أعمالا سياسية خلال فترة الاحتلال البريطاني للعراق، واستمر هذا النشاط في العهد الملكي بعدها دخل الفكر اليساري على المسرح وقدمت في البصرة أعمالا واقعية ذات نفس اشتراكي.
وفي فترة السبعينيات تشكلت دائرة السينما والمسرح والفرقة القومية للتمثيل بالبصرة، وقدمت أعمالا ممتازة ومتكاملة.
كما تأسست عدة فرق مسرحية، وخلال فترة الحرب العراقية الإيرانية تحول المسرح إلى مسرح تعبوي وقدم أعمالا متميزة للجمهور البصري.
كما إن «البصرة كانت محطة مهمة للفرق المسرحية العربية الشهيرة، منها فرقة جورج أبيض ويوسف وهبي وفرقة فاطمة رشدي».
ومنذ 2003 شهدت البصرة انحسارا في قاعات العرض المسرحي بعد أن كانت بها خمس قاعات مسرحية بمواصفات جيدة في ذلك الوقت. حيث غياب النشاط المسرحي يعود إلى الافتقار إلى وجود بنية تحتية في المدينة.وربما الى وجود أسباب فنية عرقلت إكمال مشروع مسرح البصرة الوطني الذي يعد من أكبر المنشآت الثقافية في المدينة.
ومع هذا النشاط المسرحي وتكاثر الفرق المسرحية اندفع المسرحي الشاب محمد وهيب بعد هذه المشاهدات كلها في السينما او المسرح لتشكيل فرقة مسرحية، او التفكير في اخراج عمل مسرحي او حتى التمثيل فيه، فيما تنوعت اعماله الفنية التي قدمتها في مجال السينما والمسرح والتلفزيون والإذاعة حوالي مئة عمل، و22 مسرحية في الأدب العالمي، و20 مسرحية في الأدب العربي مع أكثر من 60 عملا باللهجة الشعبية. ومحمد وهيب في تلك المرحلة كان القارئ والمتابع والداعم للمسرح والشباب المتلهف لتجديد سلطة العرض المسرحي والتقرب أكثر من معاناة الناس، إضافة إلى أعمال إذاعية وفي المسرح الغنائي له ( أوبريت العراق مهد الحضارة ) وأوبريت ( سيعود السندباد )، قدم على مسارح سوريا اثناء وجوده فيها، وخاض لأول مرة في الوطن العربي هو ربط السينما بالمسرح في وحدة درامية بمسرحية ( سوء التفاهم لألبير كامو ) ومسرحية للمعري والذي دمج في هذه المسرحية سينما وتلفزيون في وحدة درامية. 
وشهدت البصرة عملية تأسيس الفرق المسرحية التي تعد من الظواهر الصحية التي عاشتها المدينة في فترة الستينيات من القرن الماضي، حيث الفرق المسرحية التابعة لبعض الدوائر المسرحية والنوادي الرياضية والفنية وكذلك فرق النوادي الاجتماعية وكذلك الفرق المسرحية التابعة للاتحادات والجمعيات المهنية، حيث شكل الحضور والمتابعة للمسرح من الظواهر . 
وهناك فرق مسرحية في بعض المؤسسات والنقابات حيث عمل محمد وهيب مع تلفزيون البصرة مخرجا، ونقابة الفنانين ومخرجها الفنان عبد الأمير السماوي وفرقة الساعة مخرجها الفنان حميد صابر وفرقة نادي الثغر للرائد المسرحي محمد سعيد الربيعي، والعديد من الفرق المسرحية للنشاط المدرسي والنوادي الثقافية الاجتماعية في المدينة والأقضية التي غاب أغلبها عن الساحة.
وتاريخ المسرح بالبصرة يؤشر على هذا النتاج والكم النوعي المتميز من العروض التي شكلت خطا بيانيا انصهر فيه فنانون برزوا وكونوا مجموعات وفرقا كانت رائدة ، ففي عام 1960 تأسست فرقة (جماعة المسرح المعاصر) من قبل عدد من الفنانين المسرحيين البصريين والهواة، وهم الأديب المسرحي الراحل جبار صبري العطية والفنان الراحل غازي التميمي والفنان الراحل ألبرت فيليب والفنان الراحل نجم الشاوي والفنانون عبد الحسين السريح وجواد الشويلي وباسم البدر، ثم التحق بهم الفنانون عادل النعمة وهلال نافع العطية وسمير جوير، كما التحقت في عدد من أعمال هذه الجماعة المسرحية عدد من الفنانات ومنهن الرائدة المسرحية (سميرة الكعبي).
قدمت هذه الجماعة عددا من الأعمال المسرحية التي تطرح فيها هموم المواطن العراقي والدعوة إلى الحب والتعاون في بناء المجتمع والوطن، وكانت باكورة أعمالها مسرحية ( تأمر بيك) تأليف الفنان المسرحي يوسف العاني ومن إخراج الرائد المسرحي الراحل جبار صبري العطية، ثم تلتها الأعمال المسرحية مثل ( سكون ) تأليف وإخراج جبار صبري العطية، ومسرحية ( أشلون تأليهه ) تأليف واخراج جبار صبري العطية ، مسرحية ( المقاتلون ) تأليف أجيان وإخراج جبار صبري العطية.
 وبعد هذا النشاط الذي ميز المسرح البصري عن غيره من المدن العراقية، توقفت الفرقة لأسباب ومضايقات سياسية مرت بها الفرقة.. وعادت الفرقة لنشاطها عام 1967 في مسرحية (طلب يد) من تأليف وإخراج جبار صبري العطية، ثم تلتها المسرحيات التالية : مسرحية (طريق الآخرين) من تأليف وإخراج جبار صبري العطية، مسرحية (أيام)، تأليف وإخراج جبار صبري العطية، ومسرحية (الدار)، تأليف وإخراج جبار صبري العطية، ومسرحية ( هاشمية دمع نيلي ) وهذه المسرحية من تأليف لطيف البذران وإخراج جبار صبري العطية. 
وفي عام 1970 قدمت مسرحية ( الجنين الأشقر المحبوب) من تأليف بنيان صالح واخراج جبار صبري العطية. كذلك أوبريت ( نيران السلف) من تأليف إبراهيم الشمسي وألحان الفنان مجيد العلي واخراج جبار صبري العطية. 
وعام 1971قدمت مسرحية (محد يعرفك يا لبن ) تأليف عبد الحسين السريح واخراج جبار صبري العطية ، ثم مسرحية ( السفينة ) ومسرحيات ( الناي ) و ( طبيب أسماك ) و( سبعة أيام ) و(من رزنامة المعركة ) ، وهي من تأليف وإخراج جبار صبري العطية. وفي نفس العام قدمت مسرحية ( حزيران ) عن قصة ليوسف يعقوب حداد، ومسرحية ( موت وتألق جواكان موريتا) تأليف بابلو نيرودا وكانت من اخراج جبار صبري العطية. أما فرقة المسرح الجماهيري التي أسسها عدد من الفنانين الهواة عام 1972 منهم علي الزبيدي، كامل الأزرقي، حكمت السعداوي، محمود أبو العباس، حيدر الشلال، عبد الفتاح البصري وغيرهم، فقدموا عدداً من المسرحيات ، وهي ( العمود البائد)، ( في انتظار باص المصلحة )، (رماد تحت الألسن ) و( القاتل المجهول)، وبعد التحاق آخر ثلاثة منهم إلى كلية الفنون الجميلة في بغداد، عادوا الى مدينتهم وهم محملين بالخبرة المكتسبة من أساتذتهم ليقدموا مسرحية (سولارا) تأليف محمد الفيتوري وإخراج محمود أبو العباس، ثم التحق معهم الهواة خليل الطيار، جميل سامي، والراحل فارس الفضل، وغيرهمو، واستطاع هذا العمل المسرحي تسجيل حضور جديد لهؤلاء الشباب في المشهد الثقافي المسرحي آنذاك .
فوي عام 1977 قدمت مسرحية ( انتبهوا أيها السادة ) من تأليف نبيل بدران وإخراج محمود ابو العباس، بعد انضمام منتهى حاسم والراحل كارين أرشبير والشهيد سامي غياض، هلال العطية ، عامر الربيعي ومحمد عمر، وغيرهم، ليشكلوا حضوراً عزز العمل السابق لهذه الفرقة.
كانت التجارب المسرحية الجديدة على المسرح البصري تزادا جمالا وقيمة، فقدمت مسرحية ( حكاية وسلاطين ) والمستمدة طريقة عرضها من ( مسرح المقهورين أو المضطهدين)، المؤلف والمخرج محمود أبو العباس، جعل من الساحات العامة والحدائق مكاناً للعرض، بعد دعوة الممثلين للناس الى الحضور وفرش البساط العربي الذي جلبوه من بيوتهم ، ليجلس المشاهدون عليه، وفي السنة التالية قدم الجزء الثاني منها، وهي تتحدث عن الجهل والتخلف والدعوة الى محاربة الأمية، مستندة في حوارها إلى النص الأصلي الذي يسمح للمشاهد أن يكون مشاركاً في الحوار مع الممثل، المسرحية قدمت في عدد من ساحات الأقضية والنواحي لمحافظة البصرة، لكنها أوقفت بعد أوامر من السلطة.
وفي عام 1979 استطاعت الفرقة أن تقدم مسرحية ( الخطى التي تنحدر ) تأليف نبيل بدران وإخراج كاظم حسين، بعد أن انضم الفنان عزام صالح واثنان من الفنانات وكريم عبد المسيح وبعض الهواة، ليواصلوا عمل الفرقة . ثم توالت الاعمال المسرحية ( السبع في السيرك) من تأليف زكريا تامر و( ثوب الإمبراطور) من تأليف الدكتور عبد الغفار مكاوي كانت آخر مسرحيتين لهذه الفرقة بعد ان التحق بها الفنانون عبد الخالق كريم وصباح حسن وعبد الله عبد علي وعامر جاسم، والتي استطاعت بالجهود الفردية لكادرها أن تقدم هذا العمل المسرحي تحدياً للمعرقلات التي وضعت أمامه، لكنه تحدى عدم توفير قاعة التمرينات في مركز المدينة لتكون في مسرح مجمع جامعة البصرة في قضاء شط العرب آنذاك، بعد ان وفرها المخرج الدكتور طارق العذارى، لتقدم في المركز الثقافي لجامعة البصرة في العشار  لمدة خمسة أيام، وبعد الطلبات لإعادة عرضها، قدمت في قاعة التربية ( عتبة بن غزوان ) حالياً، رغم مشاكستها الواضحة للنظام آنذاك.
لم تكن هذه الفرقة هي الوحيدة التي تشغل الفضاء المسرحي، بل كانت هناك فرقة تلفزيون البصرة ومخرجها الفنان محمد وهيب، ونقابة الفنانين ومخرجها الفنان عبد الأمير السماوي وفرقة الساعة مخرجها الفنان حميد صابر وفرقة نادي الثغر للرائد المسرحي محمد سعيد الربيعي، والعديد من الفرق المسرحية للنشاط المدرسي والنوادي الثقافية الاجتماعية في المدينة والأفضية التي غاب أغلبها عن الساحة .
قام محمد وهيب، وبالشراكة مع الفنان عبدالقادر عبد القادر، بتأليف ثلاثة كتب في المسرح : دراسات في المسرح البصري وكتاب ( حياتي في الفن )، والكتاب الآخر ( حكايتي بين المسرح والحياة )، يسرد وهيب فيه مراحل وتحولات من مسيرته مع أبي الفنون. وفي الكتاب قراءات متنوعة للفنان وهيب تنوعت بين مقال ودراسة في مجالات حياته وتشعباتها، كما يضم الكتاب بين دفتيه رواية ذاتية للمسرحيات التي أخرجها وهيب وشارك في تأليفها وتمثيلها إضافة إلى الأفلام والتمثيليات والمتغيرات الحياتية التي عاشها في عالم التمثيل والفن والإخراج، مبينا أنه شب في كنف المسرح وتربى في أحضانه ونهل من موارده، فأبدع لبلده العراق العشرات من المسرحيات مستلهما من شكسبير وموليير وتشيخوف وتوفيق الحكيم وغيرهم.
ويتحدث وهيب في الكتاب عن المخزون الثقافي الذي نهل منه بفن التمثيل والتأليف والإخراج ونقله لبيئات مختلفة من الوطن العربي لخشبة المسرح العراقية مستعينًا في ذلك بالموهبة والخبرة التي امتلكها جراء عمله المسرحي الطويل.
وفي الكتاب يرى وهيب أن المسرح في بغداد حمل معاناة أكثر من قرن وربع القرن من التضحية والمقاومة والتصدي للتقاليد المعرقلة لفكر تقبل المسرح في المجتمع حتى تمكن من الوقوف على قدميه وتحدى بعض ملامحه، مستعرضًا بعض الأسماء اللامعة في سماء المسرح ببلاد بين الرافدين مثل عبد الوهاب محمد ناجي وجبار العطية وتوفيق البصري واحمد الخطيب وغيرهم، مع توضيح الحال الذي آل إليه المسرح العراقي في ظل الظروف القاهرة .


تابعنا على
تصميم وتطوير