
ليست كل الأخبار التي نقرأها هي الحقيقة كاملة، وليس كل ما يصل إلى الصحفي من معلومات هو كل ما ينبغي أن يعرفه الناس، فخلف بعض الأخبار حكايات لم تُروَ، وحقائق مخفية، وأسماء ووثائق لا تظهر على السطح، ومن هنا تبدأ مهمة الصحافة الاستقصائية. خطر ذلك على بالي وأنا أتصفح كتاباً صدر قبل سنوات عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في العراق بعنوان «الصحافة الاستقصائية.. مدخل نظري وتطبيقات عملية»، وهو في الأصل منهج أُعد ليكون دليلاً للطلبة والصحفيين الراغبين في خوض هذا اللون الصعب من العمل الصحفي، وفي الوقت نفسه محاولة لسد جانب من النقص الواضح في المكتبة العربية في هذا المجال. فالصحافة الاستقصائية، كما يقدمها الكتاب، ليست خبراً مطولاً، ولا تقريراً تُجمع مادته من هنا وهناك، وإنما عمل يقوم على البحث والصبر والتحقق وملاحقة الوثائق والمصادر، ومحاولة الوصول إلى معلومات يرغب آخرون في إبقائها مستورة عن أعين الجمهور.
يتألف الكتاب من خمسة فصول، يبدأ أولها بالسؤال الضروري، ما الصحافة الاستقصائية؟ فيتوقف عند نشأتها وتطورها والفروق بينها وبين الفنون الصحفية الأخرى، ويتناول مسيرتها في العالم العربي ومجالات عملها. أما الفصل الثاني، وهو في تقديري قلب الكتاب، فيأخذ القارئ إلى الورشة الحقيقية لصناعة التحقيق، كيف نعثر على فكرة تصلح للاستقصاء، وكيف نصوغ الفرضية، وكيف نخطط للتحقيق، ونحدد مصادرنا، ونجري المقابلات، ثم نحول ذلك الكم من الوثائق والأرقام والشهادات إلى قصة صحفية متماسكة يستطيع القارئ متابعتها وفهمها؟. ولا يغفل الكتاب الجانب الذي يصبح أكثر حساسية كلما اقترب الصحفي من المناطق المحظورة، فيخصص فصلاً للقوانين وأخلاقيات الصحافة الاستقصائية. فالغاية، مهما كانت نبيلة، لا تمنح الصحفي حق تجاوز القواعد المهنية، ولا تعفيه من الدقة والإنصاف والتثبت من المعلومات وحماية المصادر حين تقتضي الضرورة ذلك. ويسلط الكتاب أيضاً الضوء على التحول الذي أحدثه الإنترنت والتكنولوجيا في هذا النوع من الصحافة، فالصحفي الاستقصائي المعاصر لم يعد يعتمد على دفتر الملاحظات والمقابلة وحدهما، إذ أصبحت قواعد البيانات ومحركات البحث والمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي أدوات مهمة في الوصول إلى المعلومة وتتبعها ومقارنتها والتحقق منها. وربما لو أعيد إعداد هذا المنهج اليوم لأضيف إليه فصل كامل عن الذكاء الاصطناعي وما يمنحه للصحفي الاستقصائي من إمكانات، وما يضعه أمامه في الوقت نفسه من مخاطر تتصل بالتزييف والتضليل وصعوبة التحقق من المصادر. وتزداد أهمية الكتاب في فصله الأخير حين يغادر التنظير إلى التجربة، فيعرض نماذج من تحقيقات استقصائية عراقية وعربية وعالمية كشفت انتهاكات وفساداً وثغرات في القوانين، وممارسات أضرت بالمصلحة العامة، وبعضها لم يتوقف أثره عند النشر، بل قاد إلى تغييرات ومحاسبة مسؤولين.
في زمن يستطيع فيه أي هاتف محمول أن ينقل خبراً خلال ثوانٍ، لم تعد قيمة الصحفي في أن يخبرنا فقط ماذا حدث، فهذه المهمة قد يسبقه إليها المواطن ومواقع التواصل، إنما قيمة الصحفي الحقيقية تبدأ عندما يخبرنا لماذا حدث، وكيف حدث، ومن المستفيد من حدوثه. ومن هنا تحديداً تبدأ مهمة الصحافة التي نحتاجها.. صحافة الكشف عن المستور والمخفي خلف الأخبار والتقارير والأرقام .