رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
موسيقى الأزقة .. ذاكرة بغداد وإيقاعها الشعبي


المشاهدات 1068
تاريخ الإضافة 2026/08/16 - 11:59 PM
آخر تحديث 2026/08/17 - 2:01 PM

في ذاكرة بغداد الشعبية، لم تكن الموسيقى حبيسة الصالات الفخمة ولا المسارح الكبرى فقط، بل عاشت في الأزقة والبيوت، على الأرصفة وتحت شبابيك الطين، حيث كان العود والبزق والناي يجاور أصوات الباعة وأهازيج الأطفال وضحكات النسوة. في تلك الفضاءات الشعبية، تفتحت أولى بذور الوعي الموسيقي الجمعي، وولدت علاقة العراقي بالمقام والموال والأغنية الشعبية، كجزء لا يتجزأ من يومياته.
موسيقى الأزقة ليست مجرد حكاية عن عازف هاوٍ أو صوت شعبي صاعد، بل هي مرآة لهوية مدينة، صاغت وجدانها عبر عقود طويلة. هذا التحقيق الصحفي يحاول أن يستعيد بعضاً من تلك الذاكرة، عبر شهادات موسيقيين وشهود عيان عاصروا تلك المرحلة، حيث يتحول الحكي إلى شهادة حيّة عن زمن ما زال يرن في الأسماع.
بدايات الحكاية، كيف يمكن أن نصف موسيقى الأزقة في بغداد؟
ــ مطرب المقام والباحث الموسيقي الدكتور حسين الاعظمي يقول: موسيقى الأزقة هي المدرسة الأولى التي صقلت الذائقة الشعبية. لم يكن العزف يُدرّس في معاهد، بل في الجلسات اليومية داخل الحوش أو عند باب الدار، حيث يتجمع الأصدقاء والجيران ليستمعوا لعازف يعيد إنتاج ما سمعه من الراديو أو حفلة زفاف. الأزقة كانت المسارح البدائية، والناس هم الجمهور الدائم.
الأغنية الشعبية بين الرواية الشفهية وذاكرة المجتمع 
* هذا بالنسبة الى الموسيقى ولكن ماذا عن الأغنية الشعبية وكيف كانت تصاغ وتلحن وتؤدى ؟
ــ الأغنية الشعبية يجب أن تكون شائعة مع وضع الاعتبار أن ليست كل أغنية شائعة تعتبر أغنية شعبية بالضرورة, الأغنية الشعبية تبلغ أوجها في المجتمعات الشعبية حيث لا يوجد لها نص مدون سواء كان شعرياً أو موسيقياً.
* وكيف تنتقل الأغنية الشعبية بين الناس ؟
ــ انتقال الأغنية الشعبية عن طريق الرواية الشفهية مما أوجد نصوصاً عديدة للأغنية ذاتها في إطار المجتمع الواحد والأغنية الشعبية تتميز بأكثر من شكل مع انتشارها ودخول اللحن كعامل مساند لإزالة الحواجز التي قد تصادف انتشارها.
* وبأي سمة تتسم الأغنية سابقا ؟
ــ الأغنية الشعبية قديما تأخذ سمة المرونة التي تساعدها على أن تبقى محفورة في ذاكرة الناس وأن تعدل باستمرار لمواجهة الأنماط الجديدة.
* ومن يؤلفها ؟
ــ الانتقال الشفاهي يزيد الجهل بالمؤلف الذي تتصف به الأغنية الشعبية وبالتالي لم يعرف من كاتبها ومن مؤلفها ومن ملحنها.
الموسيقى الشعبية كانت وما زالت 
لعل الكثير منا خاصة كبار السن من النسوة يتذكرن جيدا كيف كانت الموسيقى الشعبية جزءا لا يتجزأ من حفلات الأعراس والمناسبات الاجتماعية التي كانت اشعارا وايذانا بان المناسبات وصلت ذروتها وان العرس موعده الليلة { بنت الشيخ لابن الشيخ جبنا هه ــ عريس وخوته يزفونه }. أما الأغاني الشعبية فلعل حصتها عند النساء المشاركات اكبر وبنات الحي صديقات العروس يرددن الأغاني ويتأملن مستقبلا زاهرا لها ولهن ، بينما يشد الرجال على أكتاف بعضهم مرددين أهازيج الفرح أو الحزن. هذه الطقوس الغنائية كانت، ولا تزال، مناسبة لتقوية أواصر، فهل كانت هناك مناطق أو أحياء بعينها تميزت بهذا اللون؟
الفرق الشعبية: من دكاكين الأحياء إلى حفلات الأعراس والمناسبات 
الفرق الشعبية ما زالت تتخذ لنفسها مكانا معروفا وتحاول الإعلان عن مكانها واستعداداتها بشتى الطرق فيتصل بها كل من لديه الرغبة بإحضارهم.
الموسيقي المخضرم حسين حياتم صاحب فرقة شعبية للموسيقى اتخذ لفرقته مكانا في شارع البدالة القريب من حي الإعلام حاورناه فقال : نحن حاولنا إعلام الناس بتواجد فرقتنا ومكانها المعروف، إضافة إلى نشر أرقام هواتفنا على الفيسبوك وفي شوارع المنطقة. كما أننا نعزف باستمرار داخل محلنا الموجود على الشارع العام ليكون معروفاً للجميع. وعندما يتصل بنا أحد، نتعرف أولاً على منطقة المناسبة شفهياً أو من خلال اللوكيشن، ثم نتعرف على طلبهم سواء كان فرقة موسيقية أو حتى مصور فوتوغرافي محترف، وبعدها نستأجر سيارة تاكسي أو يأتي أحد أفراد العائلة ليأخذنا إلى مكان المناسبة.
* هل يتم حسم مبلغ الفرقة مقدماً؟
ــ نعم.
* وما نوع الخدمة والوقت المطلوب؟
ــ الوقت يتم تحديده حسب رغبة صاحب المناسبة. وللعلم فإن الفرقة ترافق أصحاب المناسبة في مكانها وقد تنتقل إلى مكان آخر إذا كانت هناك زفّة إلى فندق مثلاً.
* وما نوع المعزوفات والأهازيج التي تقدمونها؟
ــ الأهازيج تتغير حسب نوع المناسبة. ففي الأعراس نعزف أهازيج مثل: الليلة حنته وباجر يزفونه أو بنت الشيخ لابن الشيخ جبناهه، وهناك أيضاً أهازيج خاصة بمناسبات أخرى مثل عودة الحجاج، الختان، نجاح الأبناء وغيرها.
ليلة الحنة 
ليلة الحنة مناسبة كبرى للفرح تتخللها الأغاني والكلمات. كلماتها غالبًا ما حملت مواقف من الحياة اليومية، أو سخرت من حدث سياسي، أو رثت شخصيات رحلت. وهكذا كانت وما زالت المناسبات المفرحة  وسيلة للتوثيق غير الرسمي للتاريخ الاجتماعي والثقافي للمدينة.
انتقال الذاكرة بين الأجيال 
ترى ما الذي جعل هذه الموسيقى محببة للجمهور البسيط؟
العازف الشعبي أبو عدنان يجيب:  السبب أنها قريبة من القلب. الأغنية الشعبية كانت تبدأ من معاناة الناس وأفراحهم الصغيرة. مثلاً في الأعراس، كان العازفون يجلسون على الأرض ويعزفون مقطوعات ممزوجة بالموال الريفي والمقام البغدادي. الناس تجد نفسها في هذه الموسيقى لأنها تنبع من بيئتهم، بلا تكلف ولا بروتوكولات.
وكيف تحولت هذه التجارب البسيطة إلى ملامح واضحة في الموسيقى العراقية الحديثة؟
يجيب الأستاذ الموسيقي المايسترو علي خصاف فيقول: الموسيقى الشعبية في العراق خصوصا بالأعراس. كانت تستخدم بشكل كبير جدا في المناسبات الدينية والوطنية والأعياد وفي المعابد وما شابه ذلك  وحتى في العصر العباسي ازدهرت الموسيقى ازدهارا كبيرا. أما الموسيقى الشعبية التي تستخدم بداية القرن العشرين تقريبا كانت استخداماتها واسعة جدا وخصوصا في الأعراس والمناسبات حتى في حفلات الطهور والخطوبة والزفاف. وبعض الناس كانوا يسمونهم أهل الطبول او أبو البوق وقد يسمونهم أهل الشداة يعني تسميات عديدة لكن هي تبقى الموسيقى الشعبية وخصوصا الآلات المستخدمة بكثرة جدا هي آلة الترومبيت. آلة الترومبيت والطبول.. أيقونات الأفراح العراقية
* وما آلة الترومبيت يا استاذ علي ؟
ــ  آلة الترومبيت هي من الآلات النحاسية وصوتها عالٍ جدا، ويستخدم دائما آلة الترومبيت مع عازف السايد درام أو الطبل الجنبي، وبعض الأحيان صنوج الصغيرة يستخدموها وبعض الأحيان يستخدمون طبلات لكن هي بشكل عام سايد درام هذا الطبل الجنبي  الذي يستخدم على جنب العازف، ولهذا  أسموه الطبل الجنبي وآلة الترومبيت النحاسية، وأيضا في بعض الأحيان كانوا يستخدمون آلة الكلارنيت لكن الآلة الرئيسية التي سيطرت على هذه الأفراح وهذه المناسبات خصوصا في الزواج هي آلة الترومبيت، وقد نشاهد في بعض القاعات يعملون حفلة ومعهم مطرب ومعهم فرقة موسيقية لهذا ارتبطت بحياة الكثير من العراقيين في بيئتنا وفي تراثنا وفي تاريخنا فأصبحت جزءا من الفرح، والفرح لا يكتمل حقيقة إلا إذا كانت هذه الآلة أو هذه الفرقة حاضرة وتساهم في فرحة هؤلاء الناس.
* وماذا عن الشوباش ؟
ــ الشوباش هو نوع من انواع الطقوس تقيمه الفرقة لزيادة ارباحها فتفرش الازياء وتدعو الموجودين للتبرع بمبالغ كيفية تعبيرا عن حبهم لصاحب المناسبة
ودعوة الفرق لأسباب كثيرة منها عندما يخرج مسجون من السجن، كذلك الطهور وأيضا في النجاحات من ينجح من كلية أو من ينجح من صف الى صف.
* كيف بقيت الفرق الشعبية عالقة في الاذهان ؟ 
ــأبو محمد (65 عاماً) يقول: أتذكر وأنا صغير كنت أرافق والدي إلى السوق في الكاظمية، وأسمع شباباً يعزفون العود والدربكة قرب المقهى.. الناس كانوا يتوقفون، يضحكون، يصفقون، وأحياناً يطلبون أغنية معينة.. هذه اللحظات كانت تسعدنا أكثر من حفلات التلفزيون.
ختام الحكاية 
موسيقى الأزقة ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل هي مدرسة اجتماعية وثقافية شكّلت ملامح الهوية الموسيقية العراقية. من خلالها، خرجت أصوات شعبية وألوان موسيقية صارت جزءاً من تراثنا الوطني. واليوم، ونحن نعيش زمن السرعة والتكنولوجيا، يبقى لهذا اللون مكانة خاصة في الذاكرة الجمعية. فالأزقة ليست مجرد جغرافيا ضيقة، بل هي فضاء مفتوح على الحنين، على الإبداع العفوي، وعلى الفن الذي وُلد من رحم البساطة.


تابعنا على
تصميم وتطوير