
قبل ايام، وبالتحديد في 7 آب 2026 ، جرى التوقيع على اتفاق مكة للدفاع المشترك بين كل من السعودية وتركيا وباكستان ، غايته وحسب نص الاتفاق هو تعزيز الردع المشترك بين الاطراف الموقعة في مواجهة جميع اشكال العدوان، إذ ان أي عدوان او هجوم مسلح على اي من الدول الثلاث يعتبر اعتداء على الجميع.
ويأتي ذلك الاتفاق وسط حالة اللااستقرار والفوضى التي تعيشها المنطقة، خصوصًا ان دول المنطقة بدأت تبحث عن ترتيبات امنية اكثر واقعية تعتمد بدرجة كبيرة على القوى الاقليمية وليس على الحماية الخارجية ، لانها بدأت تستشف تراجعاً بقدرة القوى الخارجية على توفير ضمانات امنية دائمة.
لاشك ان مقولة اعادة ترتيب شرق اوسط جديد واعادة تشكيل المنطقة التي اطلقتها كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الاميركية في عام 2006 ، بدأت تقطف ثمارها، حيث نرى ان اوضاع الشرق الاوسط الحالية ليست كما في السابق، فالتدخلات والاملاءات وصناعة الحروب في هذه المنطقة بدأت تتوسع، لتكوين نظام اقليمي جديد او اعادة تشكيل لموازين القوة والتحالفات.
إذن ووفقاً للمتغيرات الجارية اليوم، ونتيجة لتغيير المعادلة الشرق اوسطية وتكوين التحالفات بين الدول، لابد للعراق ان يكون ضمن المعادلة الجديدة، حيث وبفضل مكانته الجيوسياسية يمكن له ان يثبت موقفه الذي تبناه سابقا وهو موقف التوازن بين القوى الاقليمية والدولية، وهو الخيار الاكثر واقعية، او الدخول تدريجيا في ترتيبات امنية اقليمية من دون ان يتحول البلد الى طرف في صراع المحاور، او الانضمام الى تحالف اقليمي او دولي جديد والذي قد يفسر على انه اصطفاف في مواجهة طرف اقليمي اخر، وهو ما قد يعيد العراق الى سياسة المحاور التي دفع ثمنها سياسياً وامنياً واقتصادياً خلال السنوات التي مضت.
وفي المقابل فإن الابتعاد الكامل عن المشهد السياسي الاقليمي وعن التحولات الاقليمية قد يجعل العراق دولة متلقية للنتائج بدلاً ان يكون شريكا في صناعة القرار التي ستحدد مستقبل المنطقة .
وهنا ، نعتقد ان امام العراق واستكمالا لسياسته التي تبناها سابقا، وهي سياسة التوازن والانفتاح على الجميع، فرصة كبيرة بأن يكون احد اقطاب المنطقة، ويكون ذلك بإعادة تعريف دوره.
بمعنى؛ ان العراق ليس دولة تبحث عن الحماية من الخارج ولا دولة تنضم لمحور ضد محور اخر، وانما دولة تمتلك من الجغرافيا والاقتصاد والتاريخ ما يؤهلها للعب دور مستقل وقوي بعيدا عن الاملاءات، لأن المرحلة المقبلة وحسب تكوين الشرق الاوسط الجديد الذي سبق أن اعد له أن يكون هو مرحلة الجمع بين القوة والعلاقات المتوازنة والسياسة المنفتحة .