رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
محمد سليم سواري مسيرة إعلامية وأدبية بين ذاكرة القرية وفضاء الإذاعة


المشاهدات 1089
تاريخ الإضافة 2026/08/19 - 11:39 PM
آخر تحديث 2026/08/21 - 12:13 AM

حين نستعيد ذاكرة الإذاعة والتلفزيون العراقيين، لا نستعيد أسماء المذيعين والبرامجيين فقط، بل نستعيد وجوهاً صنعت من العمل الإعلامي مساحة للمعرفة والتواصل والإنسانية. ومن بين تلك الوجوه يبرز القاص والروائي والمذيع محمد سليم سواري، الذي جمع في تجربته بين الميكروفون والقلم، وبين اللغة العربية والكردية، وبين الوظيفة الإعلامية والإبداع الأدبي. عاش هادئاً، قريباً من زملائه، صاغ حضوره بعيداً عن الضجيج، وترك أثراً واضحاً في الإذاعة الكردية وفي المشهد الثقافي العراقي. وهذه الشهادة تكشف مسيرة بدأت من درس الإنشاء، وانتهت إلى البرامج والقصص والروايات والقصائد.
القرية الأولى وتكوين الذاكرة
ولد محمد سليم سواري في دهوك عام 1951، في قرية سوار التابعة للمحافظة. ولأن قريته لم تكن تضم مدرسة، انتقل إلى قرية سبيندار، حيث عاش ثلاث سنوات في رعاية أخواله، وكانت خالته الكبرى صاحبة أثر عميق في تكوينه النفسي والإنساني. تعلم منها التضحية والوفاء ومساعدة الآخرين، وهي قيم ستظهر لاحقاً في نظرته إلى الشخصيات والمجتمع.
غير أن الظروف الاجتماعية والعشائرية، وما رافقها من ثارات وعداوات ومواجهة أسرته للإقطاع والأغوات، دفعته إلى مغادرة بيئة أخواله. انتقل إلى بغداد سنة 1959، وأقام عند أحد أقاربه عامين، ثم توجه سنة 1962 إلى الموصل، حيث أكمل مراحل الدراسة الابتدائية والمتوسطة والإعدادية. ومن هنا تشكلت ذاكرته الأولى، لكن القرية بقيت الحاضرة الأشد تأثيراً في كتابته.
الإنشاء بوابة القصة
بدأت علاقة سواري بالقراءة في سنوات الدراسة الأولى، فكان يطالع القصص والمجلات منذ المرحلة الابتدائية. وفي المتوسطة تعرف إلى كتب مصطفى لطفي المنفلوطي، ولا سيما  النظرات  و العبرات ، وقرأ لتوفيق الحكيم وإحسان عبد القدوس وجبران خليل جبران، كما قرأ  البؤساء  و أحدب نوتردام  لفيكتور هوغو. هذه القراءات لم تكن ترفاً مدرسياً، بل كانت مختبراً مبكراً لبناء ذائقته الأدبية.
أما درس الإنشاء، فكان بوابته الأولى إلى الكتابة. أحب صياغة الموضوعات، ونالت كتاباته إعجاب مدرسي اللغة العربية، وشارك في إعداد مواد النشرات الجدارية. ومن هنا بدأ يشعر أن الكتابة ليست واجباً مدرسياً، وإنما وسيلة للتعبير عن الذات والبيئة والناس.
القرية بطلاً دائماً
المفارقة اللافتة في تجربة سواري أنه لم يعش في قريته سوى السنوات الست الأولى من حياته، ومع ذلك ظلت القرية مسرحاً دائماً لأعماله. فقد تجاوز عدد قصصه القصيرة خمسين قصة، وارتبطت شخصياتها وأحداثها بعالم القرية وقيمها وتحولاتها. وهذا يكشف قوة الذاكرة الأولى في تشكيل المخيلة؛ فالمكان الذي غادره مبكراً لم يغادره أدبياً، بل ظل حاضراً بوصفه خزينة للشخصيات والحكايات والصراعات.
بدأ كتابة القصة القصيرة بالكردية سنة 1977، غير أن قصصه واجهت الرفض ثلاث سنوات، بسبب ما حملته من إيحاءات ورموز ودلالات. وفي 11 شباط 1980 نشرت قصته الأولى  ره زفان ، أي  البستاني ، في صحيفة  هاوكاري  ببغداد. كان ذلك النشر إعلاناً عن ولادة صوت سردي يختار الرمز وسيلة للتعبير، ويستمد مادته من البيئة الشعبية والإنسانية.
  بغداد والجامعة
انتقل سواري إلى بغداد سنة 1972 لمواصلة دراسته الجامعية، وحصل سنة 1977 على بكالوريوس الرياضيات من كلية العلوم في الجامعة المستنصرية. وقد تبدو الرياضيات بعيدة عن الأدب والإعلام، لكنها تكشف جانباً آخر من شخصيته؛ فالعقل المنظم الذي تصنعه الدراسة العلمية يمكن أن يلتقي مع الحس الأدبي في بناء الفكرة وترتيب التفاصيل.
وفي بغداد بدأت مرحلة أكثر اتساعاً في حياته، إذ لم يعد طالباً يكتب ويقرأ فقط، بل أصبح جزءاً من المؤسسة الإذاعية والثقافية.
الميكروفون بوابة إلى الإعلام
بدأ عمله سنة 1974 مذيعاً ومترجماً في الإذاعة الكردية ببغداد، واستمر في العمل الوظيفي أكثر من ثمانية وعشرين عاماً. ولم يحصر نفسه في وظيفة واحدة، بل مارس معظم مفردات العمل الإذاعي، فكان مذيعاً ومترجماً ومخرجاً ومنفذاً ومنظماً للبرامج ومنسقاً لها وممثلاً، ثم تولى رئاسة قسم البرامج العلمية والثقافية، وعمل معاوناً للمدير.
وفي سنة 1983 أصبح عضواً في لجنة الإعلام العلمي المركزي بوزارة الثقافة والإعلام بصفة رئيس القسم العلمي آنذاك. ثم جاءت سنة 1992 لتفتح أمامه مسؤوليات إدارية أكبر، فعين مديراً للإذاعة الكردية، ثم للإذاعات السريانية والتركمانية، وبعد ذلك مديراً للتلفزيون الكردي والفضائية الكردية. وهكذا تجاوزت تجربته الوقوف أمام الميكروفون إلى معرفة تفاصيل المؤسسة من الداخل.
التدريب وصناعة الخبرة
لم يعتمد سواري على الموهبة وحدها، بل خضع لدورات تخصصية ساعدته على تطوير أدواته. اجتاز سنة 1974 دورة تدريب المذيعين ودورة تدريب المترجمين، ثم دورة البرامج العلمية والإعلام العلمي سنة 1983، ودورة تدريب وتهيئة المدراء سنة 1992. وهكذا تداخلت الخبرة العملية مع التدريب المهني، وساعدته على الانتقال من الأداء إلى الإعداد والإخراج والإدارة.
برامج صنعت حضوره
بعد أن اكتسب خبرة الكتابة الإذاعية، أعد وقدم وأخرج عشرات البرامج الإذاعية والتلفزيونية. وكان برنامج مساء الخير  من أقرب برامجه إلى الجمهور وإلى نفسه، إذ ظل يعده ويقدمه ويخرجه لأكثر من خمسة وعشرين عاماً. كما قدم  شخصيات علمية منها: وأدباؤنا يتحدثون، وشعر وموسيقى، وصباح الخير ، و ضيف التلفزيون ، و من أروقة الإبداع  التلفزيوني، إلى جانب برامج أخرى.
ولم يكن مجرد صوت يقدم النص، بل شارك في صناعة البرنامج من الفكرة إلى الكتابة والتقديم والإخراج.
الدراما والشعر
امتد نشاطه إلى الدراما الإذاعية، فأعد وألف عشرات المسلسلات، ومنها عه مي كوزي  في أربع وعشرين حلقة، و بهار  في عشرين حلقة، فضلاً عن أعمال أخرى. كما كتب الشعر، وغنى عدد من الفنانين الأكراد قصائده، بينهم كولبهار وأحمد زيباري وجوتيار عقراوي. وهنا تتضح شخصية مبدع لم يفصل بين الإعلام والأدب، بل جعل كلاً منهما يغذي الآخر.
الحضور الثقافي والصحفي
مع اتساع تجربته الأدبية والإعلامية، اتسعت علاقاته بالمؤسسات الثقافية والصحفية. أصبح عضواً في اتحاد الأدباء الكرد والعراقيين منذ سنة 1980، وفي نقابة الصحفيين الكرد والعراقيين منذ سنة 1985. كما شارك في هيئات تحرير عدد من المجلات والصحف الكردية، وعمل سكرتيراً للتحرير في صحيفة الأهالي الليبرالية، وكان من مؤسسي اتحاد الإذاعيين والتلفزيونيين العراقيين. وكتب إلى جانب القصة الشعر والمقالات النقدية والأعمدة الصحفية، ومنذ سنة 2003 اتجه أيضاً إلى كتابة المقالات السياسية والصحفية بالعربية.
الكتب والروايات
تكشف مؤلفاته عن رحلة متدرجة من القصة إلى الرواية والشعر والدراسة. من أعماله  مزكيني  أي  البشرى ، مجموعة قصصية عام 1983، و ري يا به راني  أي  طريق الكبش  عام 1986، و كه فالي بي به رواز  أي  لوحة بدون إطار  عام 1996. كما حقق وأعد الجزء الثاني من رواية  بوهزين  أي  الانصهار  للدكتور نافع عقراوي بعد استشهاده عام 2000.
وفي عام 2001 أصدر ديوان  كاني يا ئاشقان  أي  نبع العاشقين ، ثم صدرت  طريق الكبش  بالعربية عام 2003 بترجمة مجموعة من المترجمين. أما رواية  كوند  أي  القرية ، فصدرت عام 2005، وترجمها إلى العربية الكاتب والمترجم سامي الحاج عام 2007، وكتبت حولها دراسات ومقالات نقدية. وشارك عام 2008 في تأليف قاموس  تريفه  الكردي العربي الإنكليزي، ثم أصدر  بابى منو  أي  وا أبتاه  عام 2010، ورواية  واري روندكا  أي أرض الدموع  في 475 صفحة، وله أعمال أخرى بقيت تحت الطبع.
التقاعد والغربة
اضطر سواري إلى إحالة نفسه على التقاعد سنة 2002، لكن التقاعد لم يكن نهاية حضوره. ظل القلم والذاكرة والاشتغال الثقافي ملازمين له، حتى امتدت حياته إلى الغربة في الولايات المتحدة. وفي حديثه عن الغربة بدا واضحاً أن المسافة لم تستطع قطع صلته بالعراق؛ فقد قال إن عينيه ترنوان إلى بلده بشوق يعجز عن تصويره، متمنياً أن يعيش العراقيون في الخير والمحبة، وأن تزول عنهم غمة الطائفية والحقد.
وجمع بين الحرفة الإعلامية والموهبة الأدبية في تجربة خاصة.
سيرة تتجاوز الوظيفة
إن استعادة سيرة الراحل محمد سليم سواري لا تعني توثيق مسار وظيفي في الإذاعة والتلفزيون فقط، بل قراءة تجربة إنسانية وإبداعية تشكلت بين القرية والمدينة، وبين الرياضيات والأدب، وبين الميكروفون والقلم، وبين الكردية والعربية. لقد ظل المكان الأول حاضراً في ذاكرته، وحولت الإذاعة صوته إلى جزء من ذاكرة المستمعين، فيما منحت القصة والرواية ذاكرته الشخصية حياة أخرى على الورق.
كان سواري من جيل رأى في الإعلام رسالة، وفي الثقافة مسؤولية، وفي الأدب شهادة على الناس والأمكنة. ولذلك فإن رحيله لا يطوي سيرة مذيع وقاص وروائي فحسب، بل يترك صفحة من صفحات الذاكرة العراقية التي تستحق أن تحفظها الأجيال، وأن تقرأها بوصفها جزءاً من تاريخ الإذاعة والتلفزيون والأدب الكردي والعراقي.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير