رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
آفــة التعـــالــُم


المشاهدات 1076
تاريخ الإضافة 2026/08/19 - 11:46 PM
آخر تحديث 2026/08/21 - 12:13 AM

الثابت أن العلم هو النور الذي يبدد ظلام الجهل، ويُعد الركيزة الأساسية لنهضة الأمم وبناء الحضارات، وهو الأساس في تطور الإنسان، وفي شتى مجالات الحياة، وتُسهم ثماره في تحسين جودة الحياة نحو الأفضل. ولعل المكانة الرفيعة التي يحظى بها العلم والعلماء تدفع بعض الناس إلى التشبّه بهم؛ فيحفظ بعضهم شيئًا من المعلومات، أو ينال شهادةً علميةً بشتى الوسائل، أو يقلّد العلماء في أسلوب كلامهم وهيئتهم، لأسباب شتى. ثم يظهر على حقيقته، فيقول بكِبرٍ وعناد: « أنا لديَّ من العلم مثل ما لدى ذلك الشخص الذي تقدّرونه وتحترمونه، بل أنا أفضل منه في هذا التخصص، أو في عدّة تخصصات!».
ولا يكتفي بذلك، بل يستخدم شتى الوسائل للتقليل من شأن العلماء، محاولًا إظهار نفسه بمظهر الأفضل، غير مدرك أن الفارق بين العالم والمتعالِم كالفارق بين الثرى والثريا؛ فهذا عالم، وذاك متعالِم. ومعلوم أن من سنن الله سبحانه وتعالى في خلقه أن جعل الناس متفاوتين في الأرزاق، والقدرات، والمهن؛ ليحتاج بعضهم إلى بعض، فيُسخر الغني المال، ويقدم الفقير العمل، ويُسهم صاحب الشهادة بعلمه وخبرته في خدمة المجتمع. وبهذا تتكامل مصالح الناس، وتستمر عجلة الحياة، ويقوم العمران. قال سبحانه وتعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ  نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة الزخرف: 32]. وقد يثير هذا الأمر اللبس والإشكال لدى البعض، وفي بعض المواقف؛ سواء في مؤسسات الدولة أو المجتمع بشكل عام؛ لذا نحاول في هذا المقام بيان تفاصيل وإطار الموضوع، وعلى النحو الآتي:
لا مراء أن مرض التعالم يكمن في أن الشخص يدعي معرفته بالعلوم دون أن يكون له أساس منهجي في الوصول إلى حقيقة ما يدعيه. وينشأ هذا بسبب مرض سلوكي يدعى التفوق العقلي، وهو ما يدفعه للتكلم في كل المجالات العلمية بثقة مطلقة، وهو لا يعلم بأن معلوماته سطحية، أو لا تمت للحقيقة بشيء؛ لأنه يرى القشور دون معرفة مكنون الشيء وأسسه وجوهره، فبصره يرى الماديات دون الانتباه إلى أن بصيرته قد أُعميت ولا ترى معاني الأشياء! ومما نقف عنده، أنه ومن خلال مطالعتنا لكتاب المفكر الجزائري الكبير مالك بن نبي، رحمه الله في (كتاب مشكلة الثقافة، 1959، ص 75) لاحظنا أنه يشير إلى مرض التعالم بالتعبير الآتي: «الحقيقة أننا عرفنا منذ خمسين عامًا مرضًا يمكن علاجه، وهو الجهل والأمية، لكننا اليوم أصبحنا نرى مرضًا جديدًا مستعصيًا، وهو المتعالم، وإن شئت فقل: الحرفية في التعلم، والصعوبة الكبرى في مداواته. وهكذا أُتيح لجيلنا أن يشهد خلال النصف الأخير من هذا القرن - القرن العشرين - ظهور نموذجين من الأفراد في مجتمعنا: حامل المرقعات ذي الأطمار البالية، وحامل اللافتات العلمية. وكلام هذا المتعالم ليس كتهتهة الصبي التي تتسم بالبراءة، فهو ليس متدرجًا في طريق التعلم كالصبي، وإنما تتمثل في تهتهته تلك شيخوخة وداء، فهو الصبي المزمن». وفي الاتجاه ذاته، ومما ينبغي أن نقف عنده، أننا لاحظنا أن العالم الجليل الأستاذ الدكتور عصمت عبد المجيد بكر المحترم، رئيس مجلس شورى الدولة في العراق سابقًا، يشير أيضًا إلى حالة باتت مستشرية، وذلك في كتابه الذي أهداني إياه جنابه الكريم مشكورًا بتاريخ 19/6/2026، الموسوم بـ(دروس من الحياة، 2026، مرض الدكترة، هاتريك للطباعة والنشر، أربيل، ص 10-11)، بقوله: «تشهد المجتمعات المتخلفة ظاهرة الإقبال على الدراسة، وخاصة النظرية، وفي العلوم الإنسانية، فالكل يريد أن يحصل على الشهادة الجامعية، وفي السنوات الأخيرة انتشرت ظاهرة الهرولة للحصول على الماجستير والدكتوراه، بشتى السبل والطرق، وإن هدف الكثير منهم التباهي بالشهادة، وتصدر المواقع ونيل الوظائف العليا حتى دون وجود خبرة علمية أو عملية، ونشر صوره في المواقع الإلكترونية، في حين الهدف الرئيس من نيل الشهادات العليا هو تدريب وتأهيل علماء وباحثين علميين يخدمون المجتمع عن طريق الحقل العلمي الذي تخصصوا فيه، وترى كثيرًا منهم يحاول الحصول على مناصب تنفيذية عليا أو يكتفي بكتابة بحوث محدودة الصفحات، لنيل ألقاب علمية، ثم تنتهي مهمته عند هذا الحد». فهذا التشخيص لحالة مرضية من عالم جليل، ذي رؤية علمية دقيقة، يحتاج إلى وقفة جادة من المجتمع بأسره، إذا كنا نرغب في ركوب قارب الإنسانية وحماية الحقوق والحريات التي باتت شعارا للدول المتقدمة. وفي الواقع، فإن الأمثلة على مرض التعالم كثيرة، ونقتصر في هذا المقام على مثال واحد، ويمكن للقارئ أن يقيس عليه. حدَّثني أحد الأشخاص فقال: «جاء رجل إلى المستشفى ليتبرع بالدم لزوجته استعدادًا لإجراء عملية الولادة، وقال: «أفضل أن أتبرع أنا لزوجتي بدلًا من استخدام دم شخص آخر؛ ففصيلة دمي هي نفسها فصيلة زوجتي». فأرسله الطبيب للمختبر للتأكد من فصيلة دمه وتحضير الدم. وبعد فحص فصيلة دمه، ظهرت النتيجة أن فصيلته (+O)، بينما كانت فصيلة زوجته (+A).» فاعترض الرجل قائلًا: «كيف تكون فصيلة دمي (+O) وفصيلة زوجتي (+A)؟ إذًا كان أطفالي سيموتون!» فسأله أخصائي المختبر: «من أخبرك بهذه المعلومة؟» قال: «أنا أعلم ذلك!» وسأله الأخصائي: ما هو عملك؟ قال: صباغ. فقال له أخصائي المختبر: «أنا لا أفقه في حرفة الصباغة، وكذلك أنت لا تفقه في مهنة تحليل الدم.» فسكت الرجل، وأخذ النتيجة إلى الطبيب، ليقرر بعد ذلك ما يلزم. وهذا مثال على ما يحدث عندما يغيب احترام التخصص؛ فبعض الناس يتحدثون في كل شيء، ويظنون أنهم يعلمون، وهم في الحقيقة لا يعلمون أنهم لا يعلمون، وذلك هو الجهل المركب. لكل مهنة أصولها، ولكل وظيفة قوانين تنظمها، ولكل حرفة قواعد تُتبع. واحترام هذه الأصول والقواعد سبيل إلى حياة أكثر تنظيمًا، وخدمة أفضل للإنسانية، وهو من ثوابت المجتمع المتطور.
أسباب مرض التعالم: لهذا المرض أسباب كثيرة، ولعدم الإسهاب نذكر جانبًا منها:
1- الإعجاب بالنفس: حب الظهور ولفت الانتباه، حيث يسعى المتعالم لإثبات تفوقه للحصول على إعجاب الآخرين.
2- الوهم المعرفي (تأثير دانينغ- كروجر 1999): ظاهرة نفسية تجعل الشخص قليل المعرفة يبالغ في تقدير قدراته، معتقدًا أنه خبير لمجرد إلمامه بمعلومات سطحية. ومثل هؤلاء الأشخاص لا يفرقون بين الشخص الكفء وغير الكفء أو يعانون من وهم التفوق.
3- التعالي وإقصاء الآخرين: الرغبة في السيطرة على النقاشات، سواء في مؤسسات الدولة أو في المجتمع، مما يدفعه لرفض الاعتراف بالخطأ أو تقبل الحقائق إن خالفت هواه.
4- عدم وجود نقد موضوعي: تساهل البيئة المحيطة بتقبل أي كلام منمق دون تمحيص، مما يشجع المتعالم على الاستمرار. وإن قبول الفكرة التي يطرحها المتعالي من المقابل وهو يعلم الحقيقة يعطي المجال أكثر في أن يكون متعالمًا؛ لأنه سيدفعه إلى القول: انظروا لقد قلت الموضوع كذا والأستاذ المتخصص في الموضوع لم يستطع الإجابة والرد علي. ولذلك هنا ضرورة تفعيل الحكمة الموروثة من الإنسانية: «حدث العاقل بما لا يعقل فإن صدق فلا عقل له».
5- عقدة النقص: التعويض عن شعور داخلي بالجهل أو الفشل من خلال تغطية هذا النقص بادعاء المعرفة الشاملة.
6- إنشاء المحتويات الإلكترونية والموضوعات لغايات متعددة: يوجد أشخاص ينشئون محتويات إلكترونية ويتحدثون فيها مقابل أجر، وقد لا يكون منشئ المحتوى مدركًا في بعض الأحيان للغاية الحقيقية من ذلك، إلا أن تلك الغاية تكون معلومة لدى غيره، وقد تتمثل في هدم القيم الإنسانية، والتشكيك في الثوابت العلمية والإنسانية، والتأثير في وعي المتلقين. وهذا الأمر ليس بخافٍ على عين القارئ الكريم، إذ يمكن ملاحظته في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي شبكة الإنترنت عمومًا.
بعض نقاط المعالجة:
1- يحذر العلماء بمختلف تخصصاتهم من مرض «التعالم»، باعتباره آفة تؤدي إلى الجهل المركب، حيث يتوهم المتعالم أنه عالم وهو في الحقيقة جاهل، مما يضلل نفسه ويضلل الناس؛ لذا ينبغي العمل على تجنب هذه الظاهرة والحد من آثارها.
2- تضافر الجهود نحو وضع الشخص المناسب في المكان المناسب في مؤسسات الدولة وغيرها، من خلال تشريع قواعد قانونية تدرج ضمن القوانين التي تكافح الفساد الإداري، وتخضع لمتابعة الجهات الرقابية المختصة.
3- يتطلب الحد من هذه الظاهرة تبني مقاربة مؤسسية متكاملة، تقوم على تضافر جهود المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية في تعزيز الوعي المجتمعي ونشر الثقافة المتخصصة، مع التأكيد على الاستعانة بالخبرات العلمية المؤهلة عند تناول القضايا ذات الصلة، وتعزيز الأدوار الرقابية بما ينسجم مع حجم تأثير الخطاب الإعلامي في تشكيل الوعي العام.
4- ضرورة تشديد إجراءات التدقيق والتحقق من الشهادات العلمية الصادرة من خارج العراق، وآليات معادلتها، للحد من انتشار الشهادات غير الرصينة وآثارها السلبية في الفرد والمجتمع، والحفاظ على سمعة المؤسسات الأكاديمية الرصينة، مع الاستمرار في دعم الانفتاح العلمي من خلال إيفاد الطلبة إلى الجامعات المرموقة، وتبادل الخبرات والمعارف الحديثة.


تابعنا على
تصميم وتطوير