رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
بين تقلبات السوق وثبات الدعم ..مفردات البطاقة التموينية في قلب المواجهة


المشاهدات 1114
تاريخ الإضافة 2026/08/19 - 11:47 PM
آخر تحديث 2026/08/21 - 12:13 AM

في الوقت الذي تتقلب فيه الأسواق العالمية تحت وطأة الأزمات، وتتعرض طرق الإمداد لاختبارات قاسية احيانا، تبدو مائدة العراقيين أمام سؤال لا يحتمل التأجيل، كيف يمكن حماية قوت المواطن عندما تتغير خرائط التجارة العالمية؟ هنا تستعيد البطاقة التموينية حضورها، لا بوصفها مجرد مفردات غذائية توزع على العوائل العراقية فحسب، بل باعتبارها واحدة من أهم أدوات الحماية الاجتماعية والأمن الغذائي في العراق، فكل اضطراب في أسعار الغذاء أو النقل والشحن أو طرق الاستيراد يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على دخل الأسرة، ولا سيما الفئات المحدودة ومتوسطة الدخل. 
وبين تقلبات الأسواق العالمية والتحديات التي فرضتها التطورات الإقليمية، وأعني منطقة الشرق الاوسط، تتحرك وزارة التجارة العراقية للحفاظ على استمرارية تجهيز السلة الغذائية عبر تنويع منافذ الاستيراد وبناء خزين استراتيجي وتأمين بعض المواد محليا، إلى جانب تطوير منظومات الخزن والنقل والرقابة الإلكترونية.
طرق بديلة لمواد لا تحتمل الانقطاع
وتؤكد مدير عام الشركة العامة لتجارة المواد الغذائية في وزارة التجارة، المهندسة لمى هاشم الموسوي أن ملف السلة الغذائية كان ومازال ضمن أولويات الوزارة، لما يمثله من أهمية في تعزيز الأمن الغذائي للبلاد، مشيرةً إلى أن التحديات التي شهدتها المنطقة، ومنها تداعيات إغلاق مضيق هرمز، دفعت الوزارة إلى إعداد خطة تعتمد على المنافذ البديلة لضمان انسيابية واستمرار وصول المواد الغذائية إلى المواطنين. وتوضح الموسوي أن الشركة اعتمدت مؤخرا منفذ سوريا الحدودي لاستقبال شاحنات المواد الغذائية ولاسيما الرز والبقوليات، إلى جانب منفذ زاخو مع تركيا وميناء العقبة عبر الأردن، فضلا عن شحنات أخرى عن طريق ميناء مرسين.
ويكشف هذا التوجه عن تحول مهم في إدارة ملف التجهيز للمواد الغذائية، فالقضية لم تعد مرتبطة بتوفير المادة الغذائية فقط، وإنما بامتلاك أكثر من طريق لإيصالها، بحيث لا يؤدي تعطل منفذ أو اضطراب طريق تجاري إلى توقف سلسلة الامدادات بأكملها.
وبحسب الخبير الاقتصادي أحمد عبد ربه، فإن تنويع مصادر الاستيراد يمثل ضرورة اقتصادية وأمنية للعراق، لأن الاعتماد على سوق أو دولة أو منفذ واحد يجعل البلاد أكثر تعرضا للصدمات الخارجية، سواء كانت أزمات سياسية أو اضطرابات في طرق التجارة، أو ارتفاعا مفاجئاً في الأسعار. ويرى عبد ربه أن تعدد الدول والمنافذ والموردين يمنح الدولة العراقية قدرة أكبر على المناورة والحصول على المواد من مصادر بديلة عند حدوث الأزمات، فضلا عن أنه يعزز المنافسة بين الموردين، وهو ما يمكن أن ينعكس على الأسعار وكلف النقل والتجهيز.
لكن التنويع -بحسب الخبير- لا يلغي مخاطر ارتفاع الأسعار العالمية، وإنما يقلل مخاطر انقطاع الإمدادات ويمنح الدولة مرونة أكبر في إدارة الأزمات.
الخزين.. مواجهة الأزمة قبل وقوعها 
في الجانب الآخر من المعادلة، يبدو الخزين الاستراتيجي أحد أهم خطوط الدفاع عن السلة الغذائية، فالأزمة الحقيقية لا تبدأ عندما ترتفع الأسعار فقط، وإنما عندما تصبح المادة غير متوفرة أصلا. 
وتؤكد الموسوي أن الخزين الحالي من مفردات السلة الغذائية يكفي حتى نهاية العام الحالي، فيما تعمل الوزارة على تأمين خزين يغطي احتياجات العام المقبل 2027، مع مراعاة المستجدات والقرارات الحكومية. كما تشير إلى أن توزيع مفردات السلة الغذائية وحصة الرعاية الاجتماعية مستمر بصورة منتظمة دون نقص في المواد الأساسية، مع توفر خزين استراتيجي كافٍ لتلبية احتياجات المواطنين وضمان استمرارية التجهيز لمدة ثلاثة أشهر.
ويرى عبد ربه أن بناء الخزين الاستراتيجي ينطوي بالفعل على كلف مالية، تشمل شراء المواد وكلف الخزن والنقل والحماية، فضلا عن الكلفة المرتبطة برأس المال المجمد في هذه المواد، إلا أن تقييم هذه الكلفة -بحسب رأيه- يجب ألا يكون بمعزل عن كلفة عدم وجود الخزين. ففي الأزمات، قد ترتفع الأسعار العالمية بصورة كبيرة أو تتعطل سلاسل التوريد، وبالتالي فإن امتلاك خزين كافٍ يمنح الدولة قدرة على الاستمرار في التجهيز ويمنع انتقال الازمات الخارجية بصورة مباشرة إلى المواطن العراقي. 
ويصف الخبير الخزين الاستراتيجي بأنه استثمار في الأمن الغذائي وليس عبئاً على الموازنة، شرط أن تتم إدارته بكفاءة، وأن تستند كمياته إلى دراسات دقيقة للاستهلاك، مع اعتماد نظام لتدوير الخزين يمنع التلف والهدر.
الحل من الداخل
ولا تقف خطة مواجهة تحديات الإمداد عند حدود تنوع الاستيراد، إذ تؤكد الموسوي أن الوزارة تمكنت من تأمين عدد من المواد محليا، منها السكر وزيت الطعام، وذلك من خلال معامل خاصة في محافظة بابل. وتكتسب هذه الخطوة أهمية اقتصادية تتجاوز توفير المادة الغذائية في حد ذاتها، فالاعتماد الجزئي على الإنتاج المحلي يمكن أن يقلل الحاجة إلى الاستيراد، ويخفف الضغط على العملة الأجنبية، ويدعم الصناعة الوطنية ويوفر فرص عمل أكبر. 
لكن عبد ربه يحذر من اختزال فكرة الإنتاج المحلي بمجرد قرار حكومي بالشراء من المنتج العراقي.
 مؤكدًا أن الاستدامة تتطلب وجود صناعة قادرة على المنافسة من حيث السعر والجودة والاستمرارية. ويحتاج ذلك -وفق رؤيته- إلى توفير الطاقة والتمويل والمواد الأولية والتكنولوجيا والبنية التحتية، فضلا عن حماية مؤقتة ومدروسة للصناعة الناشئة وعقود شراء حكومية مستقرة تمنح المنتج المحلي القدرة على التخطيط والاستثمار. والأهم، بحسب الخبير، أن يكون الدعم موجها إلى الإنتاج والكفاءة، لا إلى رفع الأسعار بما يؤدي في النهاية إلى تحميل الدولة والمواطن كلفة أعلى.
من المخزن إلى المواطن.. الحوكمة الإلكترونية تدخل المعادلة
وفي محاولة لضبط هذه السلسلة الطويلة، تؤكد الموسوي أن عمليات الخزن والتجهيز تجري إلكترونيا وفق أنظمة حوكمة، وترتبط بها برامج للسيطرة المخزنية، إلى جانب متابعة وكلاء المواد الغذائية وعمليات القطع والتجهيز ميدانيا. كما تمتلك الشركة أسطولا للنقل والشحن يضم مئات الشاحنات تعمل على نقل المواد الغذائية بين المحافظات، فيما تتضمن خططها إنشاء مخازن جديدة في عدد من المحافظات وترميم وتأهيل المخازن المتضررة والمتهالكة، بهدف رفع الطاقة الخزنية وتعزيز جاهزية الشركة لمواجهة التحديات المستقبلية. 
وهنا يرى عبد ربه أن المرحلة المقبلة ينبغي ألا تكتفي بمفهوم توزيع المواد الغذائية، وإنما تنتقل إلى مفهوم أوسع هو إدارة الأمن الغذائي. 
ويشير إلى أهمية تحديث قاعدة بيانات المستفيدين وربطها بالمنظومات الحكومية الرقمية لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، وتقليل الهدر والتكرار والتلاعب، إلى جانب تطوير أنظمة الخزن والنقل والتوزيع واعتماد تقنيات حديثة لمتابعة المخزون منذ لحظة الشراء وحتى وصول المادة إلى المواطن. كما يشدد على أهمية تعزيز الرقابة الإلكترونية والمالية على عقود التجهيز وربط الدعم مستقبلا بمستوى دخل الأسرة وحجمها واحتياجاتها بدلا من التعامل مع جميع الأسر بالطريقة نفسها.
أبعد من السلة الغذائية
ولا يبدو أن حضور الشركة في السوق سيتوقف عند ملف البطاقة التموينية، إذ تكشف الموسوي عن قرب افتتاح ثلاثة مجمعات جديدة لـ(هايبر ماركت التعاون) الأول في بغداد بمدينة الصدر، والثاني في محافظة كربلاء المقدسة، والثالث في محافظة كركوك. وتأتي هذه الخطوة في سياق أوسع يمكن قراءته بوصفه محاولة لتوسيع حضور مؤسسات الدولة التجارية في سوق المواد الغذائية، بما يوفر منافذ إضافية للمستهلك ويعزز المنافسة في الأسعار.
أمن المائدة.. الوجه الآخر للاستقرار 
وفي المحصلة، فإن قصة السلة الغذائية تتجاوز حدود الرز والزيت والسكر والبقوليات، لتلامس قضية أكبر تتعلق بقدرة الدولة على حماية المواطن عندما تهتز الأسواق وتتعقد طرق التجارة، فالمعادلة التي تتشكل اليوم تقوم على أكثر من محور (منافذ استيراد متعددة، وخزين استراتيجي، وإنتاج محلي، وشبكة نقل، ومخازن، ورقابة إلكترونية، وقاعدة بيانات، ومنظومة توزيع). 
ويرى الخبير الاقتصادي أحمد عبد ربه أن قوة منظومة الأمن الغذائي في العراق ستعتمد على التكامل بين هذه العناصر، بحيث تتحول البطاقة التموينية من مجرد آلية لتوزيع المواد الغذائية إلى أداة اقتصادية واستراتيجية لحماية المواطن وتعزيز استقرار السوق الوطني. 
وبين تقلبات السوق وثبات الدعم، يبقى الاختبار الحقيقي لكل هذه الخطط في مكان واحد.. مائدة المواطن العراقي. فحين تضطرب طرق التجارة وتتغير الأسعار وتتسع مساحة الأزمات، لا تقاس قوة منظومة الأمن الغذائي بما تملكه الدولة من مواد فقط، بل بقدرتها على إبقاء هذه المواد متاحة، مستقرة، وفي متناول المواطن عندما يكون العالم كله أمام اختبار جديد، فالسلة الغذائية ليست مجرد مفردات تُسلم إلى المواطن، بل إنها في أوقات الأزمات جدار الدولة الأول لحماية قوت الناس.
في النهاية، تبدو السلة الغذائية أكبر من مجرد مواد تصل إلى المواطن ضمن مفردات البطاقة التموينية، لكنها اختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية أمنها الغذائي عندما تضطرب الأسواق وتتعقد طرق الإمداد. فتنويع المنافذ، وبناء الخزين الاستراتيجي، وتأمين بعض المواد محليا وتطوير منظومات الخزن والنقل والرقابة، كلها محاور تجعل من استمرارية التجهيز مسؤولية تتجاوز التوزيع اليومي إلى التخطيط للمستقبل، وبين تقلبات السوق وثبات الدعم، يبقى الرهان الأكبر هو أن تصل المفردات إلى المواطن في موعدها، وبنوعية تناسبه وبأقل قدر ممكن من التأثر بالأزمات الخارجية، وفي نهاية المطاف، فان استقرار مائدة الفرد العراقي ليست قضية تموينية فحسب، بل هي جزء من استقرار الدولة نفسها. 


تابعنا على
تصميم وتطوير