
حين نقرأ مسيرة الفنان والكاتب المسرحي عدنان شلاش فإننا لا نقرأ سيرة فنان عابر في المشهد العراقي بل نقترب من تجربة تشكلت في بيئة جنوبية عرفت الفقر والمعاناة بقدر ما عرفت الطرب والشعر والمسرح.
ولد عدنان شلاش عام 1945 في قضاء الشطرة بمحافظة الناصرية وبدأت علاقته بالفن في وقت مبكر جدا حتى إنه يؤكد أنه شعر بالمسرح وهو في الثامنة من عمره وكأن الفن أصبح دما يسري في عروقه.
كانت الشطرة في تلك المرحلة بيئة خصبة لظهور المواهب وقد وجد الطفل عدنان نفسه مشدودا إلى الخشبة وإلى الممثلين وإلى عالم التمارين المسرحية.
ومن أكثر الذكريات دلالة على تعلقه المبكر بالمسرح محاولته التسلل إلى تدريبات مسرحية البخيل لموليير التي كانت تقدمها مجموعة من شباب وطلبة متوسطة الشطرة للبنين. لم يكن يسمح له بمشاهدة التمارين بسبب صغر سنه ورفض والده لذلك لكنه ظل يبحث عن فرصة يرى فيها عالم المسرح من الداخل. هذه الحادثة تبدو اليوم بسيطة لكنها تكشف عن جوهر شخصيته الفنية. فقد بدأ شلاش متفرجا متعلقا بالمسرح قبل أن يصبح ممثلا وكاتبا فيه.
الشطرة المدرسة الأولى وصناعة الوعي .
لم تكن الشطرة بالنسبة إلى عدنان شلاش مجرد مسقط رأس بل كانت المدرسة الأولى التي صاغت رؤيته الفنية والفكرية. فقد ارتبطت في ذاكرته بيوت الطين والمقاهي والجلسات الشعبية والموسيقى والشعر والحكايات اليومية.
ومن هذه البيئة اكتسب شلاش الإحساس بأن المسرح ليس ترفا وإنما وسيلة للتعبير عن المجتمع وعن هموم الناس. ولذلك جاء تعريفه للمسرح واضحا حين قال إن المسرح هو الشعب وإن المسرح يصبح شعبيا حين يحمل هواجس الناس.
وهنا تظهر أولى سمات تجربته وهي ارتباط الفن بالواقع. فشلاش لم يفصل بين الكاتب والمجتمع ولم ينظر إلى المسرح باعتباره مساحة مغلقة للنخبة وإنما رآه صورة للحياة وميدانا لمناقشة قضايا الإنسان.
من خشبة الهواية إلى تجربة الممثل .
في أواخر خمسينات القرن الماضي دخل عدنان شلاش عالم التمثيل عمليا من خلال الاسكيجات الغنائية التي كانت تقدم على مسارح الشطرة. ثم جاء عام 1960 ليشكل محطة مهمة في حياته عندما شارك في مسرحية فلوس الدوه من تأليف يوسف العاني وإخراج عزيز عبد الصاحب.
كانت هذه المشاركة بداية حقيقية في طريق الممثل. وتكشف أعماله اللاحقة عن اتساع تجربته وتنوعها من خلال مشاركته في احتفاليات مسرحية وأعمال مثل معرض الجثث وشمعدان الأسقف والأرض الطيبة والمسامير والكنز المسحور.
ومن خلال هذه المحطات انتقل شلاش من تجربة الشاب الهاوي إلى تجربة الممثل الذي يتعامل مع المسرح باعتباره مشروع حياة.
يوسف العاني وبهجت الجبوري وذاكرة جيل مسرحي
تكشف ذكرياته عن يوسف العاني وبهجت الجبوري عن طبيعة العلاقات الإنسانية التي صنعت جيلا كاملا من المسرحيين العراقيين.
فمسرحية فلوس الدوه لم تكن مجرد عمل مسرحي بالنسبة إليه بل كانت نقطة اتصال مع شخصيات أصبحت لاحقا علامات في المسرح العراقي. ومن بين هذه الذكريات قصة تعارفه المبكر مع الفنان الكبير بهجت الجبوري الذي كان يومها شابا في الشطرة قبل أن ينتقل إلى الناصرية ثم يلتحق بمعهد الفنون الجميلة في بغداد.
هذه التفاصيل تعطي مسيرة شلاش قيمة إضافية لأنها تربط تجربته الفردية بتاريخ جيل كامل نشأ في مدن الجنوب ثم انتقل إلى بغداد ليصنع جزءا من الذاكرة المسرحية العراقية.
سنوات الستينات واحتكاك الفنان بالواقع السياسي
لا يمكن قراءة تجربة عدنان شلاش من دون التوقف عند أثر الأحداث السياسية التي عاشها في شبابه. فقد تركت أحداث عام 1963 أثرا واضحا في ذاكرته وفي نظرته إلى المجتمع والإنسان.
يروي شلاش تفاصيل المظاهرات والاعتقالات والخوف الذي خيم على الشطرة بعد انقلاب عام 1963 ويذكر أنه كان واحدا من الذين تعرضوا للاعتقال.
تكشف هذه المرحلة عن جانب مهم من شخصية الفنان. فالمسرح عنده لم ينفصل عن الواقع السياسي والاجتماعي. وما عاشه في مدينته تحول مع الوقت إلى ذاكرة فنية جعلته يرى المسرح باعتباره وسيلة لقول ما يعجز الناس عن قوله في أوقات الأزمات.
الكاتب الذي اختار المسرح الشعبي
مع تقدم التجربة انتقل عدنان شلاش بقوة من التمثيل إلى الكتابة. وبدأ اسمه يظهر بوصفه مؤلفا لأعمال مسرحية تتصل بالواقع الشعبي والاجتماعي.
برزت أعمال مثل برج الحمام والناس أجناس ومغني الحي وليلة ويوم ومن يشتري ومملكة الأسود وأبناء الطين وغيرها.
ومن خلال هذه النصوص اتضح اهتمامه بالناس وبالحياة اليومية وبالأسئلة الاجتماعية. ولم تكن كتابته بعيدة عن هموم المسرح العراقي نفسه ولذلك كتب أيضا في قضايا الفن والنقد وحركة المسرح وواقع الفنانين.
وهنا تحولت تجربته من ممارسة التمثيل إلى مشروع ثقافي متكامل يجمع بين الكاتب والممثل والناقد والمتابع للشأن المسرحي.
الصحافة شاهدة على حضور شلاش
تكشف المواد الصحفية التي استعادها شلاش في حديثه عن اتساع حضوره في الصحافة العراقية. فقد تابعت الصحف والمجلات أعماله المسرحية وكتبت عنها ونشرت لقاءات معه وقراءات نقدية لنصوصه.
ومن أبرز ملامح هذه المرحلة أن شلاش لم يكن يكتفي بكتابة المسرحية بل دخل أيضا مجال المقالة والدراسة والتحقيق الصحفي.
فكتب عن المسرح الشعبي وعن الشعر الشعبي وعن مشكلات المسرح العراقي وعن واقع الفنانين كما تناول قضايا اجتماعية وثقافية وفنية متعددة.
وهكذا أصبح حضوره مزدوجا فهو فنان يعمل من داخل الخشبة وهو كاتب يراقب المشهد من خارجه ويكتب عنه.
مرحلة ما بعد 2003 وإعادة بناء الحضور
بعد عام 2003 دخلت حياة شلاش مرحلة جديدة. فقد أسس فرقة مسرح الصداقة وقدم معها أعمالا من بينها مملكة الأسود التي عرضت في أربيل ودهوك.
كما تواصل نشاطه في الصحافة وكتب عن المسرح والفنانين وعن ضرورة بناء نقد فني يسهم في بناء العراق.
وفي هذه المرحلة تبدو تجربته أكثر ارتباطا بسؤال المستقبل. فلم يعد اهتمامه منصبا على استعادة الماضي فقط بل أصبح معنيا بمصير المسرح العراقي وبالمؤسسات الثقافية وبمكانة الفنان في المجتمع.
أبناء الطين والحلم بالمسرح الملحمي
من أبرز المشاريع التي تظهر في مسيرة شلاش اهتمامه بفكرة المسرح التاريخي والملحمي. ويأتي نص أبناء الطين في مقدمة هذه المشاريع حيث حاول أن يقدم عملا بانوراميا عن العصر الأكدي.
كما كتب عملا باللغة الأكدية وهو ما يكشف عن اهتمامه بالحضارة العراقية القديمة ومحاولة استلهام التاريخ من أجل بناء خطاب مسرحي معاصر.
ومن خلال هذه التجربة يظهر شلاش كاتبا يسعى إلى توسيع موضوعات المسرح العراقي وعدم حصره في القضايا اليومية فقط.
سنوات الحرب والتمسك بالفن
تظهر في كتابات شلاش اللاحقة نبرة واضحة من القلق على مستقبل الفن العراقي. فقد كتب عن الفنانين الذين لا يجدون الرعاية وعن المسرح الذي يعاني من التراجع وعن ضرورة الالتفات إلى الرواد قبل رحيلهم.
هذه الكتابات تكشف أن علاقته بالفن لم تكن مرتبطة بالشهرة أو الظهور بل كانت مرتبطة بفكرة الوفاء.
وهذا ما يفسر اهتمامه بأسماء الفنانين الذين سبقوه مثل عزيز عبد الصاحب يوسف العاني وغيرهما.
الوفاء للرواد بوصفه جزءا من شخصيته
من أكثر السمات وضوحا في تجربة عدنان شلاش الوفاء لجيله وللأجيال السابقة.
تجلت هذه الصفة في كتاباته عن الفنانين وفي دفاعه عن أسماء رآها جديرة بالإنصاف وفي مقدمتها عزيز عبد الصاحب.
وقد ترك هذا الجانب أثرا إنسانيا يتجاوز قيمة الكتابة الفنية لأن شلاش كان يرى أن تكريم الفنان ينبغي أن يحدث وهو حي لا بعد رحيله.
عدنان شلاش بين الذاكرة والمستقبل
في نهاية هذه الرحلة الطويلة لا يبدو عدنان شلاش فنانا يستند إلى الماضي فقط بل فنانا ما زال يبحث عن مساحة جديدة للعمل.
فهو يؤكد أنه ظل يمارس هوايته وأن آخر ما كان يعمل عليه هو سيناريو لفيلم وثائقي عن الأهوار العراقية.
وهذه الخاتمة تحمل دلالة واضحة. فالأهوار التي تمثل جزءا من الذاكرة الجنوبية للعراق تبدو امتدادا طبيعيا لعالم شلاش الذي بدأ من الشطرة ومن بيوت الطين ومن الحكايات الشعبية ثم انتقل إلى المسرح والصحافة والدراما والسيناريو.
خلاصة المسيرة
يمكن النظر إلى تجربة عدنان شلاش بوصفها رحلة بدأت من دهشة طفل أمام ستارة مسرح وانتهت بفنان ظل يحمل المسرح معه أينما ذهب.
لقد جمع بين التمثيل والكتابة والمقالة والنقد وأسهم في رفد المسرح العراقي بعشرات النصوص والمواقف والآراء.
والأهم من ذلك أنه حافظ على صلته الأولى بالمكان والإنسان. فالشطرة بقيت حاضرة في وجدانه والمسرح بقي حاضرا في مشروعه والوفاء للرواد ظل جزءا من خطابه.
ومن هنا فإن مسيرة عدنان شلاش لا تختصرها قائمة الأعمال وحدها بل تختصرها علاقة طويلة بين الفنان وبيئته وبين المسرح وذاكرة الناس وبين الكتابة ومحاولة فهم العراق من خلال الخشبة. إنها مسيرة فنان لم يعتبر المسرح مهنة فحسب بل اعتبره حياة كاملة ولذلك بقيت الخشبة حاضرة في ذاكرته حتى وهو يكتب عن الماضي ويبحث عن مشروع جديد للمستقبل.