
تجاوزنا “نظام التفاهة” طبقا للمصطلح الذي نحته المفكر الكندي الآن دونو وأثار ضجة في مختلف الأوساط في العالم حتى اللحظة. نحن, أي في بلادي حيث الناس “جارحون كالصقور” كما يقول صلاح عبد الصبور طبقا لديوان حمل عنوان “الناس في بلادي” بدات تختلط المفاهيم طبقا للمحتويات التي يتم تداولها لكل رأي أو مقولة أو مفهوم أو واقعة تاريخية بين أن يكون محتوى راقيا وهي الأقل حد الندرة وبين أن يكون محتوى هابطا وهي الكثرة والتي باتت تمثل غزوا للعقول. وبالمقارنة بين ما رآه الشاعر عبد الصبور وهو أحد رواد الحداثة في الشعر العربي على صعيد الناس الذين هم من وجهة نظره جارحون كالصقور, وبين ما شخصه بعد عقود الآن دونو على صعيد الفهم العام للناس للحياة والمجتمع حيث سيطر التافهون على كل شيء وبين رؤية عبد الصبور للناس فإن النتيجة تكاد تكون واحدة.
بلاشك رؤية الشاعر تختلف عن رؤية المفكر في النهاية لكنها تعطي مؤشرا بخصوص الفارق بين تشخيصين. بين أن يكون الناس جارحون كالصقور دون أن يحدد الشاعر مضامين مايقصده مع أن الديوان أثار إهتماما نقديا عند صدوره وبين مصطلح صادم شأن “نظام التفاهة” لان التفاهة في النهاية مفردة ليست صادمة مثل الصقور الجارحة بل هي تعبير عن يأس كامل لقيم مجتمعية إنحدرت الى الحضيض في كل شيء, القيم, الإفكار. المفاهيم, المشاعر, الأحاسيس, ردود الفعل. أي إننا أصبحنا أمام وضع سياسي, إجتماعي, سياسي, ثقافي, بات يتعذر إصلاحه. ماذا يعني ذلك؟ يعني بكل بساطة سيطرة كل أنظمة “التفاهة” وعلى كل الصعد والمستويات والطبقات على الناس الذين كانوا قبل 6 عقود من الزمن مجرد “جارحون كالصقور” والذين باتوا اليوم أسرى مفاهيم ومقولات وأحاديث ومنقولات بحيث إختلط فيها الحابل بالنابل مرة, الصح بالخطأ مرة, اليقين واللا يقين مرة أخرى, الموثق أو المسند أو المصحح أو لا في كل المرات الأمر الذي بات من الصعب تصديق هذا وتكذيب ذاك.
وطبقا لهذا ونتيجة له فقد أصبحنا أسرى الحاضر والماضي على حد سواء. لم يعد صاحب المحتوى الذي يصنف على إنه “هابط” من وجهة نظر طرف، وراق من وجهة نظر طرف آخر يتعب نفسه مثل مؤرخي ومفكري ومدوني عصور سابقة كانوا يلاحقون الحدث أو الواقعة التاريخية من مدينة الى مدينة ومن بلد الى بلد لكي يمحصوها ويدققوها ومن ثم ينشرونها وهو ما يأخذ منهم شهورا وأحيانا سنين, بينما صاحب المحتوى السريع لايكلفه سوى ضغطة كيبورد في عصر “السوشيال ميديا” لكي يحاكم تاريخ يمتد الى 1400 سنة أو أقل أو أكثر بأقل من 5 دقائق. هذه الدقائق الخمس تنتشر مثل النار في الهشيم مرة على شكل محتوى “هابط” طبقا لوجهة نظر معينة، وراق طبقا لوجهة نظر أخرى, و”خابط” طبقا لوجهة نظر ثالثة.