
الرباط/متابعة الزوراء
توالت أحكام المنع من النشر أو من استعمال منصات التواصل الاجتماعي بحق عددٍ من المؤثرين في المغرب خلال الآونة الأخيرة، رغم عدم وجود نص تشريعي خاص ينظّم بشكل صريح صناعة المحتوى ويحدّد طبيعة العقوبات والتدابير المرتبطة بها. وأثار تزايد الأحكام القضائية القاضية بمنع مؤثرين وصناع محتوى من النشر عبر منصات التواصل في المغرب جدالاً بشأن الأساس القانوني الذي تستند إليه، وحدود حرية التعبير والمسؤولية في الفضاء الرقمي.
وكان لافتاً الحكم الذي أصدرته المحكمة الابتدائية في مراكش، الاثنين الماضي، والقاضي بالحبس 10 أشهر نافذة والمنع من استعمال مواقع التواصل الاجتماعي لمدة ثلاث سنوات، بحق المؤثرة سكينة غلامور، وذلك على خلفية تورطها في الإعداد والنشر لمحتوى رقمي مخلّ بالحياء العام. وليست هذه المرة الأولى التي يصدر فيها حكم بالمنع من استخدام منصات التواصل بحق مؤثرين مغاربة لفترات محددة، إذ طالت سلسلة من الأحكام القضائية، قبل ذلك، عدداً منهم على خلفية مضامين مخالفة للقانون، من بينهم هيام ستار ورضا ولد الشينوية وآدم بنشقرون. واجه رضا البوزيدي (ولد الشينوية) اتهامات بالسب والقذف والمسّ بالحياة الخاصة بغرض التشهير، إلى جانب شكوى تتهمه بالاتجار بالبشر والإخلال العلني بالحياء، فيما أصدرت محكمة الاستئناف بطنجة حكماً بسجن «مولينيكس» ووالدة القاصر آدم بنشقرون ست سنوات لكل منهما وغرامة مليون درهم، بعد إدانتهما في قضية تتعلق بالاتجار بالبشر واستغلال قاصر. أما هيام ستار وزوجها، فأدين كل منهما بالسجن أربع سنوات بسبب نشر فيديوهات مسيئة والتشهير والعنف واستغلال الأطفال في التسول.
بالنسبة إلى رئيس العصبة المغربية لحقوق الإنسان (أقدم منظمة حقوقية مستقلة في المغرب)، عادل تشيكيطو، فإنّ الفضاء الرقمي ليس منطقة خارجة عن القانون، وصفة المؤثر لا تمنح صاحبها حصانة من المساءلة متى ثبت نشر محتوى يشكل جريمة، أو يمسّ بالحياة الخاصة والكرامة، أو يتضمن تحريضاً أو استغلالاً أو تشهيراً، أو ربما نشراً لمحتوى قد يمسّ الأخلاق العامة أو يستغل القاصرين. لكنّه شدّد على أن رداءة المحتوى أو استفزازه للذوق العام لا تكفي وحدها لتجريمه؛ فالقضاء يحاكم أفعالاً محددة بنص القانون، ولا يتولى حراسة الأذواق أو فرض نموذج أخلاقي موحد على المجتمع.
ورأى شيكيطو، في حديث مع «العربي الجديد»، أن المنع من النشر أو من استعمال منصات التواصل لسنوات «يثير تحفظات حقوقية وقانونية جدية، بالنسبة إلينا كمنظمات حقوقية، فالأمر لا يتعلق فقط بتوقيف نشاط ربحي، بل بتقييد وسيلة أصبحت مجالاً للتعبير والتواصل والوصول إلى المعلومة والعمل»، مؤكداً أنه «لا يجوز استنباط هذا المنع بصورة فضفاضة من السلطة التقديرية للقضاء». وأوضح: «صحيح أن الفصل الـ65 من القانون الجنائي يجيز، بشروط، المنع من مزاولة مهنة أو نشاط أو فن، إذا كانت الجريمة مرتبطة به مباشرة، وثبت أن الاستمرار فيه يشكل خطراً على أمن الناس أو صحتهم أو أخلاقهم أو مدخراتهم؛ لكن تطبيقه على الحضور الرقمي كله يقتضي تعليلاً دقيقاً. لذا، نرى أنه يتعين أن يحدّد الحكم بدقة نوع النشاط الممنوع، والمنصة التي نشرت فيه، وهل يشمل كل تعبير شخصي أم المحتوى المهني والربحي فقط؟ ثم الخطر الفعلي الذي يبرر مدة المنع، وكذلك تعذر الاكتفاء بإغلاق الحساب المستعمل في الجريمة أو حذف المحتوى أو منع التربح منه».
واعتبر شيكيطو أن المنع الشامل قد يتحول عملياً إلى اغتيال رقمي، خصوصاً إذا أضيف إلى الحبس والغرامة من دون بيان ضرورة هذا التراكم وتناسبه. وتابع: «لدينا مخاوف من انتقائية التطبيق، إذ لا ينبغي أن يصبح وصف مؤثر مدخلاً لعقاب أشخاص بسبب شهرتهم أو الضغط الاجتماعي المحيط بملفاتهم، فحماية المجتمع لا تتحقق بقضاء المزاج العام، بل بقضاء الشرعية والتناسب والتعليل».
من جهته، رأى رئيس المكتب التنفيذي للجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان، محمد رشيد الشريعي، أنه لا يمكن استغلال حرية التعبير المكفولة قانوناً من أجل تمرير التفاهات تحت لافتة صناعة المحتوى الهادف، موضحاً أن القضاء المغربي يستند في أحكامه غالباً إلى القانون 73.17 المتعلق بالصحافة والنشر الذي يعاقب على نشر أخبار زائفة أو المساس بالحياة الخاصة، وكذلك القانون الجنائي في فصول السب والقذف، والتشهير، والتحريض، المساس بالمؤسسات، فضلاً عن مدونة الأسرة وقانون حماية المعطيات الشخصية.
(عن/صحيفة العربي الجديد)